الاستماع إلى خرير الماء في المنام تجربة سمعية قبل أن تكون بصرية، وكثيرًا ما يبقى أثرها في النفس بعد الاستيقاظ أطول من أثر المشاهد الأخرى. وهذه الرؤيا صورة رمزية مصدرها حال الرائي وذاكرته وما يشتاق إليه من هدوء، وليست خبرًا عن أمر مقبل. والصوت الرتيب اللطيف يشبه إيقاعًا يهدئ الإنسان، ولذلك يصلح أن يُقرأ على أنه معنى السكينة. وما سيأتي اجتهاد هادئ لا يدّعي علم الغيب.
الخرير صوت الماء حين يمر بين الحصى أو يتدفق من ينبوع صغير، وهو في عالم الرموز صوت النقاء والاستمرار بلا ضجيج. والاستماع إليه يوحي بالإصغاء والتأمل وترك الكلام، فكأن النفس تجلس لتسمع ما لا يُقال. وإذا كان ذلك في بستان جميل، وهو المشهد الذي يسميه بعضهم رؤية الجنة على سبيل المجاز، فإن الصورة تجمع بين طيب الموضع وطيب الصوت. وهي في الجملة رمز لهدوء القلب ورجاء الصفاء.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (سورة الفرقان، الآية 48)، وفي الآية تذكير بنعمة الماء وصفائه. ويمكن أن تُربط هذه الإشارة ربطًا عامًّا بمعنى النقاء الذي يوحي به صوت الماء الهادئ. ولا يعني ذلك أن الحلم يُفسَّر بالآية، ولا أن لها علاقة بحال الرائي، وإنما هو استحضار لمعنى النعمة عند سماع الماء. وهذا يكفي في باب التوثيق دون إكثار.
تذكر كتب التعبير أن الماء الصافي من الرموز الدالة على الخير والصفاء في الجملة، وقد ذُكر عن بعض المعبّرين في الماء الجاري معنى الاتساع والنفع. وقال آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إن الماء بحسب صفائه وجريانه يتفاوت تأويله. ولا يُعرف عن المعبرين كلام خاص بالصوت وحده بدقة، فالغالب أن المعاني تُستخرج بالقياس على الماء كله. ولذلك يظل هذا الباب مفتوحًا للاجتهاد ويُؤخذ بتواضع.
يتغير الإيحاء بحسب شدة الصوت وموضعه: فالخرير الخافت يوحي بسكينة عميقة، والجريان القوي قد يوحي بحيوية وحركة، والمطر الخفيف على الأوراق قد يضيف معنى الرقة. ويدخل في ذلك ما إذا كان الرائي يسمع الصوت وهو واقف أو جالس أو مستلقٍ، وهل كان يصغي إليه عمدًا أم يمرّ به فجأة. وإذا اقترن الصوت بطيور أو نسيم فهو أقرب إلى الأنس. والإحساس الذي ترك في الصدر هو مفتاح الفهم قبل غيره.
وللرائي أثر في المعنى: فمن يعمل في مكان صاخب قد يكون الخرير عنده صورة لحاجته إلى هدوء، ومن يعيش وسط أصوات كثيرة في البيت قد يرى فيه رغبة في ساعة سكون. والكاتب أو الطالب الذي يعيش كثرة الأفكار قد يعبّر له الصوت عن شوق إلى ذهن صافٍ. وكبير السن قد يتذكر به مواضع عاش فيها طفولته. وكل ذلك قراءة محتملة لا تنطبق على الجميع.
وفي تفاصيل الصوت دلالات ظنية: فالخرير المتواصل قد يرمز إلى استمرار الهدوء، والانقطاع المفاجئ ثم العودة قد يرمز إلى أن السكينة تأتي وتذهب وتعود. وسماع الماء من بعيد قد يعني قرب الشيء المرغوب دون ملامسته، وسماعه من قرب قد يعني الألفة. وقد لا يكون للحلم تفاصيل مرئية كثيرة، فتبقى الصورة صوتًا فقط، وهو أمر طبيعي. وهي كلها قراءات تُقال بحذر.
من الناحية النفسية، يظهر هذا النوع من الأحلام أحيانًا عند من يسمع أصواتًا طبيعية قبل النوم أو عند من يشتاق إلى أجواء الهدوء. ولا بأس أن يتخذه الرائي تذكيرًا بتخصيص وقت للصمت والتأمل، أو للابتعاد عن الأصوات العالية قليلًا. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا كان الأرق أو القلق مستمرًا فالأفضل الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالحلم لا يغني عن الرعاية الواقعية.
ومن الجميل أن يلتفت الإنسان إلى أن أبسط الأصوات قد تكون أجمل ما يهدئ القلب، وأن النفس قد تستعيد صفاءها بقدر يسير من الإصغاء. وقد يجد الرائي أن مجرد تذكر هذا الصوت أثناء يوم مزدحم يمنحه دقائق صفاء صغيرة ينتفع بها. وهذا أثر طيب، ولا يحتاج إلى أن يُقرن بتوقع شيء. وقد يدفعه ذلك إلى الإنصات لأصوات الطبيعة حين تتاح له الفرصة، والتوقف قليلًا عند ما يمر به كل يوم دون انتباه. وفي ذلك تدريب لطيف للنفس على أن تلتقط الجمال الصغير وتشكر عليه. وحسن الظن بالله يجعل مثل هذه الصور بابًا للرجاء والرضا.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد لا يصيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بربه، وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الحال، وأن يمضي إلى يومه بقلب مطمئن. والله أعلم.
