حين يرى صاحب الحلم جنة خضراء جميلة وسط صحراء واسعة من الرمال الذهبية، فإن الصورة تجمع بين السعة والصفاء والجمال المفاجئ. والرؤيا في أصلها لغة رموز تصوغ فيها النفس ما يدور في داخلها، وليست خبرًا عن واقع ولا كشفًا لغيب. ولهذا يُقرأ التباين هنا على أنه معنى للجمال الهادئ الذي يتجلى في موضع بسيط. وما يُذكر في هذا الباب اجتهاد عام لا يُنزَّل على أحد، ولا يُجزم به.
الصحراء في لغة الرموز تدل على السعة والخلوة والصفاء، وعلى الامتداد الهادئ الذي يتأمل فيه المرء نفسه. وحين تظهر فيها جنة خضراء جميلة فإن المعنى يميل إلى الجمال الذي يتخلل البساطة، أي إلى طمأنينة تنبت في مكان لا يتوقع فيه المرء الكثير. وقد تُقرأ الصورة على أنها شوق إلى واحة معنوية من الراحة، أو رغبة في هدوء بعيد عن الزحام. وهي في كل ذلك رمز عام للأمل لا يعدّ خبرًا عن شيء. وقد يبعث اتساع الرمال في النفس تأملًا هادئًا.
وفي الجملة تبقى دلالة الصحراء الهادئة دلالة رمزية عامة تعبّر عن حاجة النفس إلى الراحة بعد التعب. فالأحلام في الغالب تتأثر بما يمر بالإنسان في يقظته من مشاعر وخواطر وصور. ولذلك يحسن أن يُنظر إلى المشهد نظرة هادئة بعيدة عن الجزم والتهويل. وورد في الحديث المتفق عليه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. ولا يُنزَّل شيء من ذلك على الحلم نفسه، وإنما هو ربط عام بقيمة الرجاء، وتبقى الصحراء والجنة في الرؤيا صورة رمزية لا غير.
ويُذكر عن بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن الأرض الواسعة في الرؤيا تُقرأ في الجملة بحسب حالها، فالخضراء المزهرة تميل إلى معنى السعة والحسن. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الخلاء الفسيح يُشير في العموم إلى الخلوة والتأمل. وهذه الأقوال اختُلف في نسبتها وفي مدى الأخذ بها، ولا يُجزم بصحتها. فهي اجتهادات قديمة تُنقل بحذر، ولا يُبنى عليها قرار ولا تنبؤ بشيء.
ويتأثر فهم الرؤيا بالحال التي يعيشها صاحبها وقت الحلم. فمن كان قد زار الصحراء أو شاهد صورها قد يحتفظ عقله بالمشهد فيعيده في المنام. ومن كان يشعر بالجفاف الشعوري أو الوحدة قد تكون الواحة صورة لحاجته إلى الأنس. وقد تأتي الصورة في أيام مطمئنة أصلًا، فتكون مجرد امتداد لما يملأ القلب من رضا. والعاقل يربط الرؤيا بحاله أولًا، قبل أن يبحث لها عن معنى بعيد.
وللرائي أثر في الفهم دون جزم. فالطالب قد يرى في الواحة الخضراء ثمرة صبره في الدرس، والعامل قد يرى فيها استراحة وسط جهده. والأم قد تفهمها صورة لركن هادئ في بيت مزدحم، وكبير السن قد يقرؤها ذكريات هادئة وسكينة. ومن كان يحب رحلات البرّ والتأمل بطبعه فقد يكون المشهد عنده مجرد صدى لهذا الحب. وكل ذلك قراءات عامة تتغير بتغير الأحوال.
وتفاصيل المشهد ترسم لون المعنى. فإذا كانت الرمال ناعمة ذهبية فالمعنى دفء وهدوء، وإذا كانت الخضرة كثيفة وسط الامتداد فالمعنى أمل ونماء لطيف. وإذا كانت السماء صافية فوقها فالمعنى وضوح وصفاء، وإذا هبّ نسيم عليل فالمعنى انتعاش وراحة. وإذا كان الرائي يقف عند حدود الخضرة فالإحساس هو التأمل، وإن كان يجلس في ظلها فهو الأنس والامتنان. والأهم أن يستحضر الرائي شعوره العام لا أن يتتبع كل تفصيلة.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تذكّر الرؤيا صاحبها بحاجة نفسه إلى واحات صغيرة من الراحة وسط أيامه، كجلسة هادئة أو قراءة نافعة أو ذكر في خلوة. ويمكن أن يجعل لنفسه ركنًا بسيطًا يرتاح فيه كل يوم. وليس الحلم نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا طال القلق أو الشعور بالوحدة فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل الأقربين. ففي مشاركة الهم تخفيف كبير، وفي النصح الصادق راحة.
ويحسن بمن رأى هذه الرؤيا ألا يبالغ في تحليل كل تفصيلة فيها، فالصور تتداخل في المنام وتتبدل بلا ترتيب. وقد يكون جمال الواحة في الحلم أعمق من جمال ما رآه في اليقظة، لأن العقل يجمع أحب الصور إلى القلب. وخير ما تُقابل به هذه الرؤى هو الحمد والرضا والتفاؤل المتزن. وقد تبقى الصورة في الذاكرة أيامًا قليلة ثم تذهب كما تذهب سائر الصور، وليس في ذهابها ولا في بقائها ما يستدعي القلق أو التعلق. ومن تأمل هذه الصور بنظرة الشكر وجد فيها معنى لطيفًا يكفيه، ولم يحتج إلى تفسير أبعد من ذلك.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني لا يملك أحد أن يقطع به، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وليحسن المرء الظن بربه، وليأخذ من الرؤيا معنى الصفاء والأمل دون تكلف ولا تعلق بتفاصيلها. وليدعُ الله أن يملأ قلبه راحة وطمأنينة وصفاء. والله تعالى أعلم.
