حين يرى صاحب الحلم جنة جميلة تقع قرب بحر هادئ تلامس أمواجه الشاطئ برفق، فإن الصورة تجمع بين الخضرة والاتساع. والرؤيا في أصلها لغة رموز تصوغ فيها النفس ما يدور في داخلها، وليست خبرًا عن واقع ولا كشفًا لغيب. ولهذا يُقرأ البحر هنا على أنه معنى من معاني السعة والعمق والهدوء. وما يُذكر في هذا الباب اجتهاد عام لا يُنزَّل على أحد، ولا يُجزم به.
البحر في لغة الرموز يدل على السعة والعمق وعلى ما لا يُدرك له حد من الأفق، وحين يكون هادئًا يصير صورة للسكينة والاتساع. وحين يُرى قرب جنة جميلة فإن المعنى يميل إلى اجتماع الرحابة والاستقرار، أي إلى نفس تتسع للأمل وتطمئن بجمال محيطها. وقد تُقرأ الصورة على أنها شوق إلى أفق أرحب، أو رغبة في هدوء يشبه سطح الماء الساكن. وهي في كل ذلك رمز عام للأمل لا يعدّ خبرًا عن شيء. وقد يبعث صوت الموج المنتظم في النفس استرخاء عميقًا.
وفي التوثيق، قال الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (سورة الرحمن، الآية 19). وفي هذه الآية إشارة إلى عظمة خلق الله في البحار، وهي تذكّر بما في الماء الواسع من آيات يتأملها الإنسان. وورد في الحديث المتفق عليه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. ولا يُنزَّل شيء من ذلك على الحلم نفسه، وإنما هو ربط عام بالتأمل في الخلق، ويبقى البحر في الرؤيا صورة رمزية لا غير.
ويُذكر عن بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن البحر في الرؤيا يُقرأ في الجملة بحسب حاله، فالهادئ الصافي يميل إلى معنى السعة والخير، والمضطرب يُقرأ على خلاف ذلك. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن البحر يُشير في العموم إلى سعة الأمور وتنوعها. وهذه الأقوال اختُلف في نسبتها وفي مدى الأخذ بها، ولا يُجزم بصحتها. فهي اجتهادات قديمة تُنقل بحذر، ولا يُبنى عليها قرار ولا تنبؤ بشيء.
ويتأثر فهم الرؤيا بالحال التي يعيشها صاحبها وقت الحلم. فمن كان يعيش قرب البحر أو زاره قد يحتفظ عقله بمشاهده فيعيدها في المنام. ومن كان يشعر بضيق في المكان أو الأيام قد تأتيه صورة البحر الواسع حاجة إلى الانفساح. وقد يرى المرء البحر بعد مشاهدة صور أو مقاطع للشاطئ، فيحتفظ العقل بالمشهد. والعاقل يربط الرؤيا بحاله أولًا، قبل أن يبحث لها عن معنى بعيد.
وللرائي أثر في الفهم دون جزم. فالطالب قد يرى في البحر سعة العلم وعمقه، والعامل قد يرى فيه اتساع مجال عمله وهدوءًا. والأم قد تفهمه صورة لرحابة صدر تتسع للجميع، وكبير السن قد يقرؤه ذكريات الشواطئ وهدوءًا. ومن كان يحب الصيد والتنزه عند الماء فقد يكون المشهد عنده مجرد صدى لهذا الحب. وكل ذلك قراءات عامة تتغير بتغير الأحوال.
وتفاصيل البحر ترسم لون المعنى. فإذا كانت الأمواج لطيفة فالمعنى سكينة ورحابة، وإذا كان الماء صافيًا يُرى قاعه فالمعنى صفاء ووضوح. وإذا كانت الرمال ناعمة فالمعنى دفء وراحة، وإذا كان الأفق مفتوحًا فالمعنى انفساح في الشعور. وإذا كان الرائي يجلس عند الشاطئ فالإحساس هو الاسترخاء، وإن كان يمشي بمحاذاة الماء فهو التأمل والامتنان. والأهم أن يستحضر الرائي شعوره العام لا أن يتتبع كل تفصيلة.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تذكّر الرؤيا صاحبها بحاجة النفس إلى مساحة واسعة من الهدوء، وإلى أن ينظر إلى أموره بنظرة أرحب. ويمكن أن يخرج إلى مكان مفتوح يتنفس فيه أو يجلس مع الذكر في هدوء. وليس الحلم نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا طال القلق أو الضيق فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل الأقربين. ففي مشاركة الهم تخفيف كبير، وفي النصح الصادق راحة.
ويحسن بمن رأى هذه الرؤيا ألا يبالغ في تحليل كل تفصيلة فيها، فالصور تتداخل في المنام وتتبدل بلا ترتيب. وقد يكون جمال الشاطئ في الحلم أعمق من جمال ما رآه في اليقظة، لأن العقل يجمع أحب الصور إلى القلب. وخير ما تُقابل به هذه الرؤى هو الحمد والرضا والتفاؤل المتزن. وقد تبقى الصورة في الذاكرة أيامًا قليلة ثم تذهب كما تذهب سائر الصور، وليس في ذهابها ولا في بقائها ما يستدعي القلق أو التعلق. ومن تأمل هذه الصور بنظرة الشكر وجد فيها معنى لطيفًا يكفيه، ولم يحتج إلى تفسير أبعد من ذلك.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني لا يملك أحد أن يقطع به، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وليحسن المرء الظن بربه، وليأخذ من الرؤيا معنى السعة والأمل دون تكلف ولا تعلق بتفاصيلها. وليدعُ الله أن يملأ قلبه راحة وطمأنينة وصفاء. والله تعالى أعلم.
