الرؤيا في المنام لا تعدو أن تكون صورًا تتشكل في الذهن من الأحاسيس والخواطر، وقد تحمل أثر ما يشغل القلب في اليقظة. وحين تراها امرأة تمر بمرحلة تحتاج فيها إلى الطمأنينة، فالأقرب أن تُفهم الجنة في منامها رمزًا للراحة والأمل والسكينة. ويُعامَل هذا المقال الرائية بوصفها رائية فحسب، فلا يُقال شيء عما سيجري لها أو لغيرها، ولا يُزعم أنها رأت الجنة الحقيقية التي هي من الغيب. والقصد من هذه الكلمات تأمل هادئ لا أكثر.
تأتي الجنة في عرف المعبرين رمزًا لكل ما يبعث الراحة في النفس، من أمان وهدوء وسعة وصفاء. وصورة البستان أو الضوء الرقيق أو المكان الفسيح تعبّر في اللغة الرمزية عن انشراح الصدر. وقد يكون ظهورها استجابة لحاجة داخلية إلى الاستقرار الذي تنشده النفس بعد جهد أو ترقب. وكل هذه معانٍ عامة للصورة، لا تدل على منزلة الرائية عند الله ولا على مآل شيء من شؤونها، فذلك علمه عند الله وحده.
وقد ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا الصالحة من الله وأن الحلم المكروه من الشيطان (متفق عليه). وهذا الأصل يعلّم الرائي أن يتلقى الرؤيا الجميلة بشكر هادئ، وألا يجعلها ميزانًا يقيس به أموره. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الاعتدال في التعامل مع الأحلام، فلا تُهمل بالكلية ولا يُبالغ في تعظيمها. ولا يعني الحديث أن كل حلم جميل هو إخبار بشيء، فالمقصود أن حسن الظن بالله أولى من الانشغال بالتأويل.
وللمعبرين في هذا الباب عبارات متقاربة، فقد ذُكر عن بعض المعبّرين أن الجنة في المنام تدل في الجملة على الخير وطيب الحال، وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى معانٍ شبيهة. وهذه النسبة تحتاج إلى تثبت، فكتب التعبير تتداخل فيها العبارات وتختلف نسخها. ثم إن المعنى الفعلي يتغير بتغير الرائية وحالها، فما يناسب امرأة قد لا يناسب أخرى. فالأنفع أن تُؤخذ هذه الأقوال مدخلًا لفهم الرمز لا قاعدة مقررة.
وللسياق أثر في قراءة الحلم، فإذا كانت الرائية في فترة تحتاج فيها إلى كثير من الهدوء والاهتمام بنفسها، فمن المفهوم أن تظهر في خيالها صور السكينة. وإذا كانت قد قضت يومها بين الانشغال والترقب، فقد يكون المنام تنفيسًا ناعمًا عن ذلك. أما إذا سبقه حديث عن الجنة أو دعاء أو قراءة، فقد يكون صدى لما علق في الذاكرة. والرؤيا في كل ذلك تُنسب إلى الحالة النفسية قبل أن تُنسب إلى أي شيء آخر.
وللرائية في هذه المرحلة اهتمامات خاصة تجعل الحاجة إلى الطمأنينة أوضح، ولا يُخاض هنا في شأن بدنها ولا فيما يتصل به. والمقصود أن يُفهم الحلم من جهة المشاعر العامة، كالرغبة في الأمان والتماس الراحة وتقدير النعمة. ولا يُستخرج من الصورة خبر عن صحة أو غيرها، لأن الرؤى لا تحمل مثل هذه الأخبار. فمن الأسلم أن تجعل الرائية الحلم محطة شكر وهدوء، ثم تعود إلى ما تعرفه من رعاية وتوجيه من أهلها ومن أهل الاختصاص.
وتفاصيل المنام تتنوع، فاتساع المكان قد يوحي بانفتاح الصدر، واللون الأخضر قد يوحي بالحيوية، والهدوء قد يوحي بحاجة إلى السكون. وإذا شعرت الرائية بالخفة أو الابتسام فقد يعبّر ذلك عن ارتياح داخلي حقيقي في ذلك الوقت. وإذا غلبت عليها الحيرة فربما كانت نفسها تبحث عن إجابة تطمئنها. وهذه كلها تأملات ظنية، ولا يُبنى عليها قرار ولا يُنتظر منها شيء محدد.
ومن الناحية العملية، فإن كثيرًا من النساء يجدن في الحديث مع شخص قريب أو في أوقات الذكر الهادئ ما يخفف الثقل. وليس في هذا المقال نصيحة طبية أو نفسية، فمن لازمها قلق مستمر أو ضيق شديد فعليها أن تكلم مختصًّا أو أحد أهلها الموثوقين. والحلم الجميل لا يحل محل المتابعة المعتادة ولا الرعاية التي يحتاجها الإنسان في يقظته. وخير ما يُستفاد من المنام أن يذكّر صاحبه بقيمة السكينة فيسعى إليها.
وإذا استيقظت الرائية على إحساس طيب، فيكفيها أن تحمد الله وتكمل يومها دون أن تنتظر شيئًا مما رأت. فلا تلازمها الأوهام ولا تتتبع الصور بحثًا عن دلالات خفية. والأحلام تأتي وتذهب، وما يبقى هو ما يرسخ في القلب من إيمان وهدوء وثقة بالله. وفي ذلك سعة لمن أحسن الظن بربه وأخذ بالأسباب.
وخلاصة القول أن هذا اجتهاد بشري ظني، فالتعبير لا يقطع بشيء والغيب لا يعلمه إلا الله. وليكن نصيب الرائية من الرؤيا دعاءً بالسكينة وحسن الظن بالله وسؤاله اللطف في كل أمر. فمن توكل على ربه وأحسن الظن به كفاه ما أهمه بإذنه. والله أعلم.
