قراءة القرآن في بستان في المنام مشهد يجمع بين جمال الكلمة وجمال المكان، وهو من الصور التي تترك في النفس هدوءًا ممتدًا. والرؤيا هنا صورة رمزية تنسجها النفس من ذاكرتها ومشاعرها، وليست خبرًا عن أمر غائب، وما يُقرأ فيها ليس رسالة إلى الرائي ولا إعلامًا له بشيء. ويمكن أن تُقرأ بوصفها لغة من المعاني تدور حول السكينة والأنس بكلام الله. وما يأتي اجتهاد هادئ لا يُجزم به ولا يُبنى عليه توقع.
القراءة في الرموز تدل على الصلة بالكلمة والتأمل والتعلم، والقرآن بوصفه كلام الله يوحي بالأنس والطمأنينة في قلب المسلم. والبستان يدل على الجمال والسكينة والمكان الذي يُستراح فيه. فإذا اجتمعا، وهو ما يسميه بعضهم رؤية الجنة على سبيل المجاز، اتسعت الصورة إلى معنى الأنس والرجاء وحسن الظن بالله. والجلوس مع المصحف بين الأشجار يوحي بالصفاء. وهي في الجملة معانٍ نفسية عن حاجة القلب إلى كلمة طيبة تهدئه.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (سورة المزمل، الآية 4)، وفي الآية ما يذكّر بقيمة الترتيل والتأني في القراءة. وهذا الاستشهاد لا يعني أن كل قراءة في المنام لها معنى ديني بذاته، ولا يُنزَّل على حلم أو على حال الرائي، ولا يُراد به بيان شيء من أمر العبادة. وإنما هو تذكير عام بجمال التأني في القراءة. ويبقى الربط عامًّا لا يتعلق بحال أحد.
تذكر كتب التعبير أن القراءة في المنام من الرموز المحمودة في الجملة، وقد ذُكر عن بعض المعبّرين في قراءة الكتب الشريفة معنى الهداية والصفاء في الجملة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن حسن الصوت والخشوع في القراءة المنامية من القرائن الحسنة في الأصل. غير أن المعبرين يختلفون في التفاصيل بحسب ما يُقرأ وكيف، ولا يُجزم بقول منها. فتبقى هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بتواضع وبلا تحميل زائد.
يتغير الإيحاء بحسب هيئة القراءة: فالقراءة الهامسة توحي بالمناجاة، والقراءة بصوت رخيم توحي بالأنس والجمال، والجلوس مع المصحف على مقعد خشبي يوحي بالبساطة، والقراءة عند الفجر توحي بالنقاء. وهل كان الرائي يقرأ وحده أم يستمع لغيره، وهل استمر الصوت بعد الاستيقاظ أم بقي أثره دون ألفاظ، فكل ذلك يضيف لونًا إلى المشهد. وما يبقى من سكينة هو أصدق مفاتيح القراءة، وهو المعنى الأوضح للمشهد كله.
وللرائي حاله: فمن يمر بأيام كثيرة الانشغال قد يرى في القراءة المنامية شوقًا إلى الأنس بالقرآن، ومن يعيش قلقًا قد تعبّر له الصورة عن حاجته إلى الطمأنينة. والطالب القلق قد يرى فيها أمنية بقلب مطمئن، وكبير السن قد يجد فيها أنسًا بما اعتاده من التلاوة. وكل ذلك احتمالات تتبع حال كل رائٍ، ولا تُعمَّم على أحد، ولا يُستنتج منها شيء عن مضمون ما قُرئ.
وفي التفاصيل ألوان إضافية: فخفقان الأوراق مع القراءة يوحي بالانسجام، والنسيم الخفيف يوحي بالرقة، وأشعة الشمس على الصفحات توحي بالدفء، وصوت الماء القريب يوحي بالسكينة. وإذا غابت الكلمات وبقي الإحساس بالسكينة وحده فهو المعنى الأوضح. ولا يُراد من هذه التفاصيل الجزم بشيء، فهي ألوان تُضاف إلى المعنى العام. وهي قراءات ظنية لا أكثر، تُقال بحذر ولا تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
من الناحية النفسية، قد يظهر هذا المشهد حين يحتاج الإنسان إلى كلمة تهدئ ما في صدره بعد أيام مليئة بالضجيج، فتصنع النفس صورة تجمع بين الكلمة الطيبة والمكان الجميل. ولا بأس أن يتخذه تذكيرًا بتخصيص وقت هادئ للقراءة والتأمل. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا استمر القلق أو الحزن أو ثقل الهموم فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالحلم قد يمنح صورة مريحة، لكنه لا يغني عن الرعاية الواقعية للنفس.
ومن المعاني الطيبة أن القراءة الهادئة تمنح القلب مساحة للتأمل بعيدًا عن الضجيج. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الأنس بكلام الله في الحياة اليومية، وبأن القلب يجد فيه راحته. وقد يستحضر الرائي حين يستيقظ أوقات تلاوة جميلة مرّت به فيحمد الله عليها. وحسن الظن بالله يجعل هذه الصورة بابًا للرضا. ولا يُنتظر من الحلم أكثر من هذا الأثر الطيب، وقد يكون الأنفع أن يُقابَل بالشكر ثم يُستأنف اليوم بقلب أخف.
وفي الختام، فكل ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد لا يصيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بربه، وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الحال، وأن يمضي إلى يومه بقلب هادئ. والله أعلم.
