رؤية الأهل في بستان في المنام مشهد يجمع بين الألفة الأسرية وجمال المكان، وهو من الصور التي تترك في النفس دفئًا طويلًا. والرؤيا هنا صورة رمزية تنسجها النفس من الذاكرة والمشاعر، وليست خبرًا عن أحد من الأهل ولا دلالة على حاله. فالمشهد في جوهره صورة للألفة والاجتماع على الخير لا أكثر. وما يأتي اجتهاد هادئ لا يُجزم به ولا يُبنى عليه توقع.
الأهل في الرموز يدلون على الأصل والسند والألفة، فهم البيت الأول الذي تتكوّن فيه ذكريات الإنسان وأمانه. والبستان يدل على الجمال والسكينة والمكان الذي يُستراح فيه. فإذا اجتمعا في مشهد واحد، وهو ما يسميه بعضهم رؤية الجنة على سبيل المجاز، اتسعت الصورة إلى معنى الأنس والرجاء وحسن الظن بالله. وهي في الجملة معانٍ نفسية عن حاجة الإنسان إلى الاجتماع الدافئ والسند، وتبقى صورة للألفة فحسب.
وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الإنسان إذا رأى رؤيا يحبها فلا يحدّث بها إلا من يحب، وهو حديث متفق عليه. وفي هذا أدب لطيف في التعامل مع الصور الجميلة، فلا يُفرط فيها الحديث ولا تُحمّل ما لا تحتمل. وهذا الذكر عام يتصل بأدب الرؤيا ولا يتعلق بتفسير مشهد الأهل نفسه، ولا يُنزَّل على حال الرائي ولا على حال أحد من أهله. ويكفي هذا القدر في التوثيق دون استرسال.
تذكر كتب التعبير أن الأهل والقرابة من الرموز المتصلة بالسند والصلة، وقد ذُكر عن بعض المعبّرين في الأقارب معنى الاجتماع والألفة في الجملة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن المكان الحسن الجامع للقرابة من الصور المحمودة في الأصل. غير أن المعبرين يختلفون بحسب من يظهر من الأهل وما يجري بينهم، ولا يُجزم بقول منها. فتبقى هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بتواضع وبلا تحميل زائد.
يتغير الإيحاء بحسب هيئة الاجتماع: فالجلوس معًا على العشب يوحي بالألفة البسيطة، والمشي المتمهل بين الأشجار يوحي بالأنس والتقارب، والحديث الهادئ يوحي بالطمأنينة، والصمت اللطيف يوحي بالرضا. وهل كان الجمع صغيرًا أم كبيرًا، وهل كان الوقت صباحًا أم عصرًا، فكل ذلك يضيف لونًا إلى المشهد. وإذا حضر طعام أو شراب بسيط فالمعنى أقرب إلى الاجتماع الدافئ. وما يبقى بعد الاستيقاظ من شعور بالقرب هو أصدق مفاتيح الفهم.
وللرائي حاله: فمن يعيش بعيدًا عن أسرته قد يرى في المشهد شوقًا إلى الدفء الذي يفتقده، ومن انشغل بعمله طويلًا قد تعبّر له الصورة عن حاجته إلى وقت مع من يحب. والطالب البعيد عن بيته قد يرى فيها أمنية بالأنس، والأم المنهمكة قد تجد فيها اشتياقًا إلى لمة هادئة. وكل ذلك احتمالات تتبع ما يشغل كل رائٍ من الهم والأمل، ولا تُعمَّم على أحد ولا تُسقط على حال أهله.
وفي التفاصيل ظلال أخرى: فالمكان الواسع يوحي بسعة الصدر، والأزهار حول الجالسين توحي بالود، وصوت الماء القريب يوحي بالصفاء، والضوء اللطيف يوحي بالسكينة. وإذا ظهر أحدهم يبتسم أو يهمس بكلمة طيبة فهو صورة للألفة لا يُبنى عليها خبر ولا يُستنتج منها شيء عن صاحبها. ولا يُراد من هذه التفاصيل الجزم بشيء، فهي ألوان تُضاف إلى المعنى العام. وهي قراءات ظنية لا أكثر.
من الناحية النفسية، قد يظهر هذا المشهد حين يشتاق الإنسان إلى الاجتماع بأهله أو إلى الإحساس بالسند الذي كان يجده في بيته. ولا بأس أن يتخذه تذكيرًا بتفقد أهله بالاتصال أو الزيارة وحسن الكلام معهم ما استطاع. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا استمر الحزن أو الشعور بالوحدة فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالحلم قد يمنح صورة مريحة، لكنه لا يغني عن العلاقات الواقعية.
ومما يلفت في هذا المشهد أن الألفة لا تحتاج إلى ترتيب كبير، فجلسة بسيطة في مكان جميل قد تكفي لتملأ القلب. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الأوقات الصغيرة التي يقضيها الإنسان مع أهله وبأنها من أثمن ما في الأيام. وقد يستحضر الرائي حين يستيقظ مجالس طيبة جمعته بأحبته فيحمد الله عليها. وحسن الظن بالله يجعل هذه الصور بابًا للامتنان والرضا. ولا يُنتظر من الحلم أكثر من هذا الأثر الطيب. وقد يكون الأنفع أن يُقابَل هذا الشعور بالشكر والدعاء بالخير، ثم يُستأنف اليوم بقلب أخف.
وفي الختام، فكل ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد لا يصيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بربه، وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الحال له ولأهله، وأن يمضي إلى يومه بقلب هادئ. والله أعلم.
