رؤية وجوه مبتسمة في المنام صورة تبعث على الارتياح، فالابتسامة أول لغة للألفة قبل أن تُقال أي كلمة. والرؤيا هنا صورة رمزية تنسجها النفس من ذاكرتها ومشاعرها، وليست خبرًا عن أحد ولا إعلامًا بشيء. وهذه الوجوه في المشهد صور للأنس لا أكثر، فلا يُفترض فيها أن تمثل أشخاصًا بذواتهم ولا أن تحمل رسالة. وما يأتي اجتهاد هادئ لا يُجزم به ولا يُبنى عليه توقع.
الوجه في الرموز عنوان الإنسان وما يظهر منه، والابتسامة تدل على الود والقبول والطمأنينة. وحين تتكرر الوجوه المبتسمة في بستان جميل، وهو ما يسميه بعضهم رؤية الجنة على سبيل المجاز، فإن الصورة تتسع إلى معنى الأنس وحسن الظن والرجاء. وهي في الجملة معانٍ نفسية عن حاجة الإنسان إلى الإحساس بالقبول والدفء. وتبقى الصورة مشهدًا للألفة فحسب.
وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن النبي ﷺ قال: لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، رواه مسلم. وفيه تذكير بقيمة البشاشة والوجه الباسم في الأخلاق الإسلامية. ولا يعني هذا الاستشهاد أن لكل وجه مبتسم في المنام معنى بذاته، ولا يُنزَّل على حلم أو على حال الرائي. وإنما هو ربط عام بين الابتسامة وحسن الخلق.
تذكر كتب التعبير أن حسن الوجه وبشاشته من الرموز المحمودة في الجملة، وقد ذُكر عن بعض المعبّرين في الوجه الحسن معنى الحال الطيبة والمروءة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن التبسم من علامات القبول والود في الأصل. غير أن المعبرين يختلفون بحسب من يكون صاحب الوجه وما يصاحب الابتسامة من أحوال، ولا يُجزم بقول منها. فتبقى هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بتواضع.
يتغير الإيحاء بحسب عدد الوجوه وهيئتها: فوجه واحد باسم يوحي بلطف قريب، وجمع من الوجوه المبتسمة يوحي بجو من الألفة العامة. وهل كانت الوجوه مألوفة أم غير مألوفة، وهل كانت الابتسامة صامتة أم مصحوبة بضحكة خفيفة، فكل ذلك يضيف لونًا إلى الصورة. وإذا غمر المشهد ضوء رقيق فالمعنى أقرب إلى الصفاء. والأصل في القراءة ما يبقى من شعور بالدفء بعد الاستيقاظ.
وللرائي حاله: فمن يعيش بعيدًا عن بيئته قد يرى في الوجوه المبتسمة شوقًا إلى الألفة، ومن بدأ عملًا جديدًا قد تعبّر له الصورة عن رغبته في القبول بين زملائه. والطالب الذي يدخل صفًّا جديدًا قد يرى فيها أمنية بصحبة طيبة، وكبير السن قد يجد فيها أنسًا بذكريات المجالس الدافئة. وكل هذه احتمالات تتبع ما يشغل الرائي من الهم والأمل، ولا تُفرض على أحد.
وفي التفاصيل ظلال أخرى: فالابتسامة الواسعة توحي بالانشراح، والابتسامة الخفيفة توحي بالهدوء، والوجوه التي تلتفت بلطف توحي بالانتباه والرعاية. وقد يكون للضوء الذي يلامس الوجوه أثر في الشعور بالصفاء، وللأشجار والماء حولها أثر في الشعور بالسكينة. ولا يُراد من هذه التفاصيل الجزم بشيء، فهي ألوان للصورة تُضاف إلى معناها العام. وهي قراءات ظنية لا أكثر.
من الناحية النفسية، قد يظهر هذا المشهد حين يشتاق الإنسان إلى الدفء الاجتماعي أو إلى بيئة تتقبله كما هو. ولا بأس أن يتخذه تذكيرًا بأن يبادر هو أيضًا بالابتسامة واللطف مع من حوله، فهي أقرب أبواب الألفة. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا استمر الشعور بالوحدة أو الحزن فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالحلم قد يمنح صورة مريحة، لكنه لا يغني عن العلاقات الواقعية.
ومما يلفت في هذه الصورة أن الابتسامة لا تكلف شيئًا لكنها تترك أثرًا طويلًا في النفس. وقد يتذكر الرائي حين يستيقظ وجوهًا لطيفة مرّت به في أيامه، فيشعر بالامتنان لكل لطف قابله. وهذه خواطر أخلاقية لطيفة لا تحتاج إلى أن تُقرن بتوقع شيء. وحسن الظن بالله يجعل الصور الودودة بابًا للرضا. ويحسن أن يُنظر إلى هذه الصورة بوصفها دعوة هادئة إلى إشاعة اللطف في المجالس والبيوت، فكلمة طيبة أو ابتسامة صادقة قد تخفف عن إنسان ما لا يعلمه الرائي. وقد يستحضر الرائي من لقيه ببشر وتودد فيدعو له بالخير. ولا يُنتظر من الحلم أكثر من هذا الأثر الطيب في النفس، فكل ما عدا ذلك تأويل ظني يُترك لعلم الله. وما أجمل أن يُتبع الشعور الجميل بعمل جميل صغير في اليوم التالي.
وفي الختام، فكل ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد لا يصيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بربه، وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الحال، وأن يمضي إلى يومه بقلب هادئ. والله أعلم.
