قد يرى المريض في منامه صورة الجنة، فيستيقظ وفي قلبه مزيج من الدهشة والسكينة. والرؤيا في أصلها صورة ذهنية تتألف من الخواطر والمشاعر والأمنيات، وليست خبرًا عن غيب ولا شهادة لأحد أو عليه. والجنة الحقيقية من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وما يراه النائم تمثيل رمزي في خياله لا أكثر. ومن هنا تُقرأ الرؤيا قراءة هادئة بوصفها صورة للراحة والأمل وحسن الظن بالله، دون أن تُربط بمآل المرض أو بأي حدث قادم.
يرمز المعبرون بالجنة في الجملة إلى الارتياح وسعة الصدر وصفاء الحال والأمان النفسي، وقد تظهر في هيئة بستان أو ضياء أو مكان رحب هادئ. وهذه معانٍ تتشوق إليها النفوس في كل حال، وتشتد الحاجة إليها حين يطول التعب وتكثر المواعيد والأدوية. فقد تكون الصورة لغة ترجم بها النفس حاجتها إلى الطمأنينة والرفق. ولا تدل الصورة على منزلة ولا تخبر بحدث، فهي أقرب إلى تعبير داخلي عن الرغبة في الهدوء.
ومما يُذكر في باب الرفق بالنفس قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (سورة البقرة، الآية 286). والآية في أصلها بيان لرحمة الله ولطفه بعباده فيما يطيقون. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الرفق بالنفس وعدم تحميلها فوق طاقتها. وليست الآية تفسيرًا للحلم، ولا تنزيلًا له على رائٍ محدد، لكنها تعطي إطارًا عامًّا لفهم معنى السكينة عند من يثقل عليه حاله.
وقد ذُكر عن بعض المعبّرين أن الجنة في المنام تدل في الجملة على الخير وصلاح الحال، وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى معانٍ قريبة من الراحة والرضا. وتختلف عبارات كتب التعبير وتتداخل، فلا يُجزم بأن لفظًا محددًا صدر عن معبّر واحد. وليس في ذلك ما يربط هذه الرؤيا بصحة الجسد أو سقمه، فالقراءة الأقرب تدور حول الطمأنينة النفسية وحدها. ولذلك لا يُكتفى بتأويل واحد، فالتعبير يتغير بحال الرائي وسياقه.
وللسياق أثر كبير في هذه الرؤيا. فقد يراها المريض في ليلة أنهكه فيها التعب بعد يوم طويل من الانتظار والمراجعات، فتكون النفس قد طلبت الراحة بلغة الصور. وقد يراها بعد زيارة أحبة أو كلمة طيبة سمعها، فتكون صدى لدفء ما عاشه. وقد يراها بعد ذكر أو قراءة أو حديث إيماني، فتكون انعكاسًا لما استقر في خاطره. والشعور المصاحب للمنام، من سكينة أو دهشة أو فرح، أبلغ في فهمه من أي تفصيل في المشهد.
وللمريض حال خاصة من الصبر وطول الانتظار، وقد تحمل أحلامه أحيانًا صور الراحة التي يشتاق إليها. وهذا طبيعي، فالنفس تستحضر ما تفتقده. ولا يُفهم من الرؤيا شيء عن مآل المرض ولا عن شفاء ولا عن غيره، فهذه أمور لا تدل عليها الأحلام ولا تُعرف بالمنامات. والمطلوب من الرائي أن يجعل الصورة باعثًا على الشكر والرجاء، وأن يأخذ بما أرشده إليه أهل الاختصاص ويترك العاقبة لله.
وتتنوع تفاصيل المنام، فاتساع المكان قد يوحي بسعة الصدر، والخضرة بالنشاط والنقاء، والضياء بوضوح الخاطر. وإذا كان المريض وحده في الصورة فقد تعبّر عن رغبة في هدوء واختلاء، وإذا كان معه من يعرفهم فقد تعبّر عن حاجة إلى القرب منهم. وإذا غلبت عليه الدهشة فقد يكون ذلك لعظمة الصورة في نفسه. وكلها احتمالات تأملية ظنية، لا يُبنى عليها قرار ولا ينتظر منها نتيجة.
ومن الجانب العملي والنفسي، يفيد المريض أن يحيط نفسه بما يهدئه من ذكر وكلام طيب وصحبة قريبة وراحة معتدلة. وليس في هذا المقال نصيحة طبية أو نفسية، فما يتعلق بالصحة يُرجع فيه إلى الطبيب وحده. وإذا لازمه قلق دائم أو حزن ثقيل أو أرق شديد فليتحدث إلى مختص أو أحد أهله أو شخص موثوق. والحلم الجميل قد يكون تذكيرًا بأن للنفس حقًّا في الطمأنينة، لكنه لا يغني عن المتابعة الطبية ولا عن الدعم الإنساني.
وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (متفق عليه)، وأن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه). وفي هذا تذكير عام بأن للرؤى مقامًا يستحق الأدب في التعامل معها، فلا تُهمل ولا يُبالغ في تأويلها. ومن رأى ما يحبه فلا يحدّث به إلا من يحب، وهو أدب يحفظ للصورة جمالها ويصون القلب من التأويلات المتعجلة. ويبقى الأصل أن يطمئن الرائي إلى لطف ربه في كل حال.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، والتعبير عن الرؤى باب يختلف فيه أهله، والغيب لا يعلمه إلا الله. وليكن أثر الرؤيا في الرائي رجاءً حسنًا ودعاءً بأن يمنحه الله سكينة في قلبه ورفقًا في حاله. فمن أحسن الظن بربه عاش مطمئنًا مهما اختلفت عليه الأحوال. والله أعلم.
