شم رائحة الزهور في المنام حاسة لطيفة تدخل الحلم من باب الوجدان، فالعطر يلمس الذاكرة أسرع من أي منظر. والرؤيا هنا صورة رمزية تنبع من النفس وما تحبه، وليست خبرًا عن أمر غائب ولا وعدًا بشيء قادم. ويمكن أن تُقرأ على أنها لغة من المعاني تدور حول الجمال والرقة والانتعاش. وما يأتي اجتهاد هادئ في فهم الرمز لا يُبنى عليه جزم.
الزهرة في عالم الرموز كائن رقيق يعطي جمالًا وعبيرًا دون أن يطلب مقابلًا، فهي تدل على الرقة والبهجة والعطاء الخفيف. وشم عبيرها يوحي بالتقاط هذا الجمال والتفاعل معه، فالإنسان لا يشم إلا ما يقترب منه ويصغي إليه بنفسه. وحين يجري ذلك في بستان جميل، وهو المشهد الذي يسميه بعضهم رؤية الجنة على سبيل المجاز، يزداد المعنى لطفًا وصفاء. وهو في الجملة معنى نفسي عن حاجة القلب إلى ما يرقّ ويطيب.
وفي الجملة تبقى دلالة رائحة الزهور دلالة رمزية عامة تعبّر عن الرقة واللطف، فالنفس تأنس بالعطر الجميل. ويبقى الأهم في الحياة العمل الصالح وحسن الظن بالله والاعتدال في كل شأن. فلا يُبنى على الصورة قرار ولا يُرتّب عليها خوف أو توقع. وإن شعر الرائي بارتياح فليحمد الله عليه ثم يمضي إلى شأنه بهدوء. وتبقى المعاني المأخوذة معاني نفسية عامة تقبل الاجتهاد ولا تقبل القطع.
أشارت كتب التعبير إلى أن الأزهار والرياحين عمومًا من الرموز المحمودة في الجملة، وقد ذُكر عن بعض المعبّرين في الرياحين معنى الأنس والود. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الرائحة الطيبة تزيد المعنى حسنًا، وأن اختلاف أنواع الزهور يغيّر الدلالة. لكن المعبرين اختلفوا في تفاصيل كل زهرة ولونها، وكثير من التفصيلات المتداولة لا يتأكد أصلها. ولذلك تُؤخذ الأقوال إشارات عامة بتواضع.
يتفاوت المعنى بحسب نوع العبير وقوته: فالعطر الخفيف يوحي بسكينة هادئة، والعطر القوي قد يوحي بانتعاش ملحوظ، والعطر المألوف قد يوقظ ذكرى. وإذا شم الرائي الزهرة وهو يتمشى فالمعنى أقرب إلى الاستمتاع، وإذا توقف عندها فالمعنى أقرب إلى التأمل. ولألوان الزهور حضور في الصورة: فالأبيض يميل إلى الصفاء، والأحمر إلى الدفء، والأصفر إلى البهجة، وهذه قراءات ظنية. والأهم هو الإحساس بعد الاستيقاظ.
وتتنوع قراءة الصورة بتنوع الرائين: فربة البيت المنشغلة قد ترى فيها شوقًا إلى ساعة هادئة، والطالب المجهد قد يرى فيها حاجة إلى انتعاش ذهني، والعامل الذي طالت ساعاته قد يرى فيها اشتياقًا إلى جمال بسيط. ومن يحب الزراعة والنباتات قد تكون الصورة امتدادًا لعالمه المألوف. وكبير السن قد يستعيد بها عطر مكان عاش فيه. وكل ذلك احتمال لا يُعمَّم.
وللتفاصيل ألوان من المعنى: فالزهور المتفتحة حديثًا توحي بالتجدد، والباقة الصغيرة المقدّمة توحي بالود، والحقل الواسع من الزهور يوحي بسعة الصدر. وإذا كان النحل أو الفراش قريبًا فقد يضيف ذلك معنى الحيوية والخفة. ولا تفرض هذه التفاصيل شيئًا على أحد، فكثير من الأحلام تأتي بصور مختلطة من ذاكرة أيام ماضية. وإنما يُنظر إليها بوصفها مفردات لطيفة في لغة الرموز.
من الناحية النفسية، يظهر الحلم أحيانًا حين يتعرض الإنسان لروائح جميلة في يومه أو حين يشتاق إلى الطبيعة. ولا بأس أن يتخذه تذكيرًا بأن يمنح نفسه ما يرقق قلبه، كزيارة حديقة أو الاعتناء بنبتة صغيرة في البيت. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا استمر الضيق أو القلق فالأفضل الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالحلم يقدم صورة لطيفة لا أكثر.
ومن المعاني الجميلة التي توحي بها الصورة أن الإنسان قد يكون سببًا في إدخال شيء من العبير إلى حياة من حوله، بكلمة طيبة أو معاملة لطيفة. وقد يتذكر الرائي حين يستيقظ أن أثر الطيب يبقى بعد زواله، وأن الكلمة الطيبة كذلك. وهذه خواطر أخلاقية وجدانية قبل أن تكون تفسيرًا لشيء. ولعل هذا من أجمل ما يمكن أن يستخلصه الإنسان من صورة العبير، أن يسأل نفسه بهدوء عن أثره في بيته وعمله وبين أصدقائه، وأن يحاول أن يجعل ذلك الأثر لطيفًا. ويكفي في هذا الباب نية صادقة وعمل يسير يتكرر. وحسن الظن بالله يجعل الإنسان ينظر إلى الجمال نظرة امتنان.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بربه، وأن يدعوه بالسكينة وصلاح القلب، وأن يمضي إلى يومه بنفس منشرحة. والله أعلم.
