قد يرى الإنسان الجنة في منامه ثم ترتسم على وجهه ابتسامة، أو يستيقظ وهو يبتسم دون أن يدري. والرؤيا في أصلها صورة ذهنية تتألف من الخواطر والمشاعر والأمنيات، وليست خبرًا عن غيب ولا شهادة لأحد أو عليه. والجنة الحقيقية من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وما يراه النائم تمثيل رمزي في خياله. ومن هنا يُقرأ تسلسل الصورة ثم الابتسامة بوصفه تعبيرًا عن انشراح النفس وأنسها وحسن الظن بالله، لا خبرًا عن أمر قادم.
الابتسامة في لغة الرموز تقترن عادة بالرضا والأنس وانشراح الصدر، وهي من أقرب علامات الراحة التي تظهر على الوجه. وحين تأتي بعد صورة الجنة في الحلم فقد تعبّر عن ارتياح النفس لما شاهدت. ويرمز المعبرون بالجنة في الجملة إلى الارتياح وسعة الصدر وصفاء الحال والأمان النفسي، وتأتي الابتسامة خاتمة طبيعية لهذه المعاني. وليس في ذلك ما يخبر عن حدث، وإنما هو تمثيل لحال داخلية طيبة.
ومما ورد في فضل البشاشة وطلاقة الوجه أن النبي ﷺ قال بمعناه: لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق (رواه مسلم). والحديث في أصله ترغيب في طلاقة الوجه مع الناس وعدّها من المعروف. وفي هذا ما يذكّر بقيمة البشاشة في العلاقات. وليس الحديث تفسيرًا للحلم، ولا تنزيلًا له على رائٍ محدد، وإنما هو إطار عام يوضح أن الابتسامة معروف يسير يترك أثرًا في القلوب.
وقد ذُكر عن بعض المعبّرين أن الجنة في المنام تدل في الجملة على الخير وصلاح الحال، وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى معانٍ قريبة من الراحة والرضا. وتختلف عبارات كتب التعبير وتتداخل، فلا يُجزم بأن لفظًا محددًا صدر عن معبّر واحد. وليس فيما يُتداول من كتب التعبير ما يخص الابتسامة في هذا الحلم، فيُترك أمرها لسياق الرائي وشعوره. ولذلك لا يُكتفى بتأويل واحد، فالتعبير يتغير بحال الرائي.
وللسياق أثر كبير في هذه الرؤيا. فإذا رآها الشخص بعد يوم لقي فيه من يحب، فقد تكون الابتسامة صدى لذلك الفرح. وإذا رآها بعد فترة قلق ثم انفراج في المزاج، فقد تكون الابتسامة تعبيرًا عن ارتياح النفس. وإذا رآها بعد سماع كلمة طيبة أو ذكر، فقد تكون الصورة امتدادًا لأثرها. والمشاعر المصاحبة للمنام، من أنس أو فرح أو سكينة، أبلغ في فهمه من أي تفصيل في المشهد.
وللابتسامة التي تعقب الحلم أثر يتجاوز الوجه إلى النفس، فهي تخفف من حدة التوتر وتفتح بابًا للأنس. وقد يستيقظ الرائي وهو مبتسم فيزداد إحساسه بالصفاء. ولا يُفهم من هذه الابتسامة شيء عن بشارة أو خبر سار أو حدث قادم، فالأحلام لا تدل على ذلك. وإنما يكفي أن يجعل الرائي هذا الإحساس باعثًا على الشكر، وأن يشارك من حوله بشاشة وكلمة حسنة.
وتتنوع تفاصيل المنام، فاتساع المكان قد يوحي بسعة الصدر، والخضرة بالنشاط، والضياء بوضوح الخاطر، والابتسامة بالأنس. وإذا كان الرائي وحده في الصورة فقد تعبّر الابتسامة عن رضا داخلي، وإذا كان معه من يحبهم فقد تعبّر عن دفء الصحبة. وإذا كانت الابتسامة لغيره فقد يكون ذلك انعكاسًا لرغبته في إسعاد من حوله. وكلها احتمالات تأملية ظنية، لا يُبنى عليها قرار ولا ينتظر منها نتيجة.
ومن الجانب العملي والنفسي، يفيد الرائي أن ينقل هذا الانشراح إلى يومه فيبتسم لمن حوله ويحسن الكلام، وأن يحافظ على نومه وهدوئه. وليس في هذا المقال نصيحة طبية أو نفسية، فإذا لازمه حزن دائم أو قلق مستمر أو أرق ثقيل فليتحدث إلى مختص أو أحد أهله أو شخص موثوق. والحلم الجميل قد يكون تذكيرًا بأن للنفس حقًّا في الفرح المعتدل، لكنه لا يغني عن الأخذ بالأسباب. ومن الحسن أن يجعل الرائي الابتسامة عادة يومية يهدي بها من حوله، فإن في ذلك أنسًا يعود إليه، وإن البشاشة الصادقة أبقى أثرًا في القلوب من أي صورة تمر في المنام.
وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الكلمة الطيبة صدقة (متفق عليه)، وفي ذلك تذكير عام بأن الأقوال الحسنة ترفع القلوب. وورد أيضًا أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، وفي هذا أدب عام في التعامل مع المنامات، فلا يُبالغ في تأويلها ولا تُهمل. وإذا استيقظ الرائي مسرورًا فحسن أن يحمد الله وأن يمضي إلى يومه بنية طيبة.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، والتعبير عن الرؤى باب يختلف فيه أهله، والغيب لا يعلمه إلا الله. وليكن أثر الرؤيا في الرائي رجاءً حسنًا ودعاءً بأن يملأ الله قلبه أنسًا وسكينة. فمن أحسن الظن بربه عاش مطمئنًا. والله أعلم.
