حين يرى صاحب الحلم أنه يمشي في بستان جميل تتدلى فيه الأغصان وتفوح منه الروائح الطيبة، فإن الصورة تجمع بين الحركة الهادئة والجمال. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من مشاعر صاحبها وأفكاره، وليست خبرًا عن واقع ولا كشفًا لغيب. ولهذا يُقرأ المشي في البستان هنا على أنه معنى من معاني الأنس والتأمل والسير المطمئن. وما يُذكر في هذا الباب اجتهاد عام لا يُنزَّل على أحد، ولا يُجزم به.
البستان في لغة الرموز مكان يجمع بين الأشجار والظلال والثمار، وهو في الغالب صورة للعناية والسعة والراحة. والمشي فيه يدل على التنقل بلا استعجال وعلى الاستمتاع بما حول المرء. وحين يجتمع الاثنان في مشهد جميل فإن المعنى يميل إلى نفس مطمئنة تتأمل وتشكر، وإلى رغبة في الهدوء. وقد تُقرأ الصورة على أنها شوق إلى فسحة تُرمّم فيها النفس. وهي في كل ذلك رمز عام للأمل لا يعدّ خبرًا عن شيء. وقد تبعث رائحة الأزهار والفاكهة في النفس أنسًا جميلًا.
وفي التوثيق، قال الله تعالى: ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ (سورة النمل، الآية 60). وفي هذه الآية إشارة إلى بهجة الحدائق التي تنبتها الأرض بإذن الله، وهي تذكّر بجمال ما في الطبيعة من نعم. وورد في الحديث المتفق عليه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. ولا يُنزَّل شيء من ذلك على الحلم نفسه، وإنما هو ربط عام بجمال النعم، وتبقى صورة المشي في البستان رمزية لا غير.
ويُذكر عن بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن البساتين في الرؤيا تُقرأ في الجملة على معنى السعة والحسن، وأن حال أشجارها يغيّر القراءة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن التنزه في الأماكن الخضراء يُشير في العموم إلى الانشراح وسعة الصدر. وهذه الأقوال اختُلف في نسبتها وفي مدى الأخذ بها، ولا يُجزم بصحتها. فهي اجتهادات قديمة تُنقل بحذر، ولا يُبنى عليها قرار ولا تنبؤ بشيء.
ويتأثر فهم الرؤيا بالحال التي يعيشها صاحبها وقت الحلم. فمن كان يحب النزهات في الأماكن الخضراء قد يحتفظ عقله بصورها فيعيدها في المنام. ومن كان يمر بفترة ضغط قد تأتيه الصورة حاجة إلى التنفس والتخفف. وقد تأتي الصورة في أيام مطمئنة أصلًا، فتكون مجرد امتداد لما يملأ القلب من رضا. والعاقل يربط الرؤيا بحاله أولًا، قبل أن يبحث لها عن معنى بعيد.
وللرائي أثر في الفهم دون جزم. فالطالب قد يرى في البستان فسحة بعد جهد الدراسة، والعامل قد يرى فيه راحة بعد انشغال. والأم قد تفهمه صورة لسكينة وأنس تحيط بأسرتها، وكبير السن قد يقرؤه ذكريات نزهات جميلة وهدوءًا. ومن كان يهوى المشي والتصوير بطبعه فقد يكون المشهد عنده مجرد صدى لهذا الحب. وكل ذلك قراءات عامة تتغير بتغير الأحوال.
وتفاصيل البستان ترسم لون المعنى. فإذا كانت الأغصان مثقلة بالثمار فالمعنى سعة وكرم معنوي، وإذا كان الظل وارفًا فالمعنى حماية وراحة. وإذا كانت الممرات ترابية ناعمة فالمعنى بساطة وأنس، وإذا كان في البستان ماء جارٍ فالمعنى صفاء وتجدد. وإذا كان الرائي يمشي وحده فالإحساس هو التأمل، وإن كان مع أحبته فهو الأنس والاجتماع. والأهم أن يستحضر الرائي شعوره العام لا أن يتتبع كل تفصيلة.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تذكّر الرؤيا صاحبها بأن المشي الهادئ في مكان أخضر سبب لراحة النفس من التوتر، وأن للجسد والقلب حقًا في الاستراحة. ويمكن أن يخصص وقتًا للتنزه قريبًا من الأشجار، ومعه ذكر لله وتأمل. وليس الحلم نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا طال القلق أو الضيق فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل الأقربين. ففي مشاركة الهم تخفيف كبير، وفي النصح الصادق راحة.
ويحسن بمن رأى هذه الرؤيا ألا يبالغ في تحليل كل تفصيلة فيها، فالصور تتداخل في المنام وتتبدل بلا ترتيب. وقد يكون جمال البستان في الحلم أعمق من جمال ما رآه في اليقظة، لأن العقل يجمع أحب الصور إلى القلب. وخير ما تُقابل به هذه الرؤى هو الحمد والرضا والتفاؤل المتزن. وقد تبقى الصورة في الذاكرة أيامًا قليلة ثم تذهب كما تذهب سائر الصور، وليس في ذهابها ولا في بقائها ما يستدعي القلق أو التعلق. ومن تأمل هذه الصور بنظرة الشكر وجد فيها معنى لطيفًا يكفيه، ولم يحتج إلى تفسير أبعد من ذلك.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني لا يملك أحد أن يقطع به، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وليحسن المرء الظن بربه، وليأخذ من الرؤيا معنى الأنس والأمل دون تكلف ولا تعلق بتفاصيلها. وليدعُ الله أن يملأ قلبه راحة وطمأنينة وصفاء. والله تعالى أعلم.
