السير على العشب في المنام مشهد يحمل ملمسًا ناعمًا وإحساسًا بالخفة، وكأن الأرض نفسها تلين تحت القدمين. والرؤيا هنا صورة رمزية مصدرها حال النفس والذاكرة وما يشتاق إليه الإنسان من سكون، وليست خبرًا عن أمر غائب أو قادم. ولهذا يُقرأ المشهد على أنه لغة من الصور تدور حول الراحة والانفتاح والتمهل. وما يأتي اجتهاد هادئ في فهم هذا الرمز، لا يدّعي علمًا بالغيب ولا يُبنى عليه توقع.
العشب في عالم الرموز خضرة قريبة من الأرض، تمتد وتتجدد وتستقبل الخطى بلا مقاومة، فهو يوحي بالبساطة والتواضع والاتصال بالأصل. والسير عليه يوحي بالتمهل والانتقال بلا عناء، وكأن الطريق نفسه مهيأ للراحة. وحين يكون المشهد في بستان جميل، وهو ما يسميه بعضهم رؤية الجنة على سبيل المجاز، فإن الصورة تجمع بين الخضرة والسكينة وحسن الظن بالله. وهي في الجملة معانٍ نفسية لطيفة تتصل بالأمل والهدوء.
وقد ذكر الله تعالى نعمة النبات ضمن آيات الامتنان، فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (سورة الأنعام، الآية 99). وفي هذا ما يذكّر بأن الخضرة التي تكسو الأرض نعمة تستحق التأمل. ولا يُراد من هذا الاستشهاد أن تُنزّل الآية على الحلم أو تُجعل تفسيرًا له، وإنما الإشارة العامة إلى قيمة الخضرة في الوجدان. وهكذا يبقى الربط عامًّا بلا إسقاط على الرائي.
أشارت كتب تعبير الرؤى إلى أن الخضرة من الرموز المحمودة في الجملة، وقد ذُكر عن بعض المعبّرين في الخضرة والنبات معنى الانشراح والسعة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الأرض الخضراء تدل على لين الحال وطيب العيش من حيث الأصل. إلا أن المعبرين اختلفوا في تفصيل ذلك بحسب نوع العشب ولونه ومكانه، ولا يُجزم بقول واحد. ولذلك تبقى هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بتواضع، لا قواعد ثابتة.
يتفاوت المعنى بحسب كيفية السير: فالسير حافيًا على عشب ندي يوحي بالبساطة والانتعاش، والسير بالحذاء يوحي بالتمهل الواعي، والجري الخفيف يوحي بالانطلاق والفرح. وإذا كان العشب قصيرًا مشذبًا فقد يوحي بالترتيب والهدوء، وإذا كان طويلًا برّيًّا فقد يوحي بالتلقائية والحرية. ويضيف الضوء والوقت معنى آخر، فالصباح الباكر يوحي بالبدايات اللطيفة، والعصر يوحي بالسكينة الهادئة. والإحساس الذي بقي عند الاستيقاظ هو أصدق دليل على المعنى.
للرائي أثره في القراءة: فمن يقضي يومه في مكاتب مغلقة قد يرى في العشب شوقًا إلى الانفتاح، ومن أتعبته الأسفار الكثيرة قد يرى فيه رغبة في الاستقرار. والطفل أو الشاب الذي يحب اللعب قد تكون الصورة امتدادًا طبيعيًّا لخياله، وكبير السن قد يستعيد بها ذكرى ملاعب الطفولة. وربة البيت قد تعبّر الصورة عندها عن حاجة إلى نزهة صغيرة. وكل ذلك قراءات محتملة لا تنطبق على الجميع.
وللتفاصيل ظلال: فالرفقة التي تسير مع الرائي توحي بالألفة، والسير منفردًا يوحي بالتأمل، والتوقف ثم الجلوس على العشب يوحي بالاستراحة. والعشب الذي تتخلله أزهار صغيرة يوحي بتعدد أسباب البهجة، والعشب الذي يلمع بقطرات الندى يوحي بالنقاء. وقد يتذكر الرائي أن خطواته كانت بطيئة ومطمئنة، وهذا قد يكون أبلغ من كل وصف لونٍ أو مساحة. وهي قراءات ظنية تتغير من حلم إلى آخر.
من الناحية النفسية، قد يظهر هذا المشهد حين يشتاق الإنسان إلى خروج من روتين مرهق أو إلى ملامسة الطبيعة بعد انقطاع. ولا بأس أن يتخذه دافعًا للمشي في مكان أخضر أو لتخصيص وقت للراحة بين مهامه. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا استمر الضيق أو الإرهاق فالأفضل الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالحلم يقدم صورة مريحة، لكنه لا يغني عن العناية بالنفس والبدن.
ومن اللطيف أن الأرض الخضراء تحتمل الخطى جميعها دون أن تشكو، وفي هذا معنى للصبر واللين وسعة الصدر. وقد يتذكر الإنسان حين يستيقظ أن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يبطئ خطاه ليستمتع بما حوله، وأن العجلة الدائمة تحجب الجمال القريب. وهذه معانٍ تربوية تُستفاد من الصورة بلا حاجة إلى تحميلها تفسيرًا غيبيًّا. وحسن الظن بالله يجعل هذه الخواطر بابًا للرضا والامتنان.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد لا يصيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بربه، وأن يدعوه بالسكينة وصلاح الحال، وأن يمضي إلى يومه بقلب مطمئن. والله أعلم.
