إذا رأى صاحب الحلم جنة تتدلى فيها الثمار من الأغصان، فالصورة ممتلئة بمعاني الوفرة والعطاء والجمال. والرؤيا رمزية في أصلها، فهي لا تخبر عن واقع ولا عن غيب، وإنما تعبّر عن مشاعر وآمال تتشكل في صور مألوفة. ولذلك يُقرأ الثمر هنا على أنه صورة للعطاء والامتنان والرجاء. وما يأتي بعد ذلك اجتهاد عام لا يُنزَّل على أحد ولا يُقطع به.
الثمرة في لغة الرموز هي نتيجة الغرس والصبر، فهي تذكّر بأن الأشياء الجميلة تنمو بالتدريج حتى تؤتي أكلها. وحين تظهر الثمار في مكان هادئ جميل فإن المعنى يمتد إلى الشعور بالرضا وبالنعمة التي يستشعرها القلب. وقد تُقرأ الصورة أيضًا على أنها حاجة إلى تقدير ما بين يدي الإنسان من خير، والالتفات إلى ما أُنعم به عليه. وهي في كل ذلك رمز عام للامتنان لا يعدّ خبرًا عن شيء.
وفي التوثيق، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ (سورة عبس، الآية 24). وفي الآية دعوة إلى التأمل في نعمة الطعام والرزق وما وراءها من تدبير، وفي هذا ما يذكّر بقيمة الشكر. وهذا ربط عام بمعنى الامتنان للنعمة، وليس تفسيرًا للحلم ولا إسقاطًا عليه. فالثمر في المنام يبقى صورة رمزية يُستأنس بها، والأصل في الاستشهاد هنا هو التأمل والشكر لا غير.
ويُذكر عن بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن الثمار في الرؤيا تُقرأ في الجملة على معنى العطاء والخير، وأن اختلاف أنواعها يغيّر المعنى. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الفاكهة الحسنة تشير إلى حسن الحال في الغالب. وهذه الأقوال اختُلف في نسبتها وفي مدى الأخذ بها، ولا يُجزم بها كلها. فهي اجتهادات قديمة تُنقل بحذر، ولا تُتخذ أساسًا لتوقع شيء في المستقبل.
ويؤثر السياق في فهم الرؤيا، فمن كان قد أمضى وقتًا في عمل شاق قد تأتيه صورة الثمار تعويضًا نفسيًا عن التعب. ومن كان يمر بفترة امتنان أو تأمل في النعم قد تأتيه الثمار امتدادًا لما يشعر به. وقد يرى المرء هذه الصورة بعد مشاهدة بستان أو سوق فواكه أو حديث عن الطعام، فيكون الحلم صدى للنهار. وكل ذلك طبيعي، ولا يلزم أن يكون وراء الحلم أكثر من هذا الأثر. وكثيرًا ما تنسج الأحلام من بقايا الصور المخزونة في الذاكرة مشاهد أجمل مما رآه صاحبها في الواقع، فلا غرابة في جمال الثمار وكثرتها.
وتختلف القراءة باختلاف الرائي دون جزم. فالمزارع قد يرى الثمار صدى لعمله وحبه للأرض، والطالب قد يراها صورة لثمرة الاجتهاد والصبر في التحصيل. والأم قد تفهمها صورة للعطاء الذي تقدمه لأسرتها، والعامل قد يراها رمزًا لما يرجوه من ثمرة جهده. ومن كان قليل المشاغل قد تكون الصورة عنده مجرد جمال يستمتع به. والأمر كله يتنوع بتنوع الأحوال والمشاعر. ومن كان يحب الطبخ والضيافة قد يجد في الصورة أنسًا بمن يحب، ومن كان يعتني بحديقة صغيرة قد يراها امتدادًا لعنايته.
وفي تفاصيل الثمار معانٍ يمكن تأملها. فإذا كانت ناضجة متدلية فالمعنى امتنان واكتمال، وإذا كانت متنوعة الألوان فالمعنى تنوع الخير وجمال الحياة. وإذا كانت قريبة من اليد فالمعنى قرب الأمل وسهولته في القلب، وإذا كانت عالية فالمعنى تطلع وسعي. وإذا كان الرائي يكتفي بالنظر إليها فالمعنى قناعة وإعجاب، وإن كان يتذوقها بهدوء فالمعنى رضا. والأولى أن يتذكر الرائي شعوره العام لا عدد الثمار.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تدعو هذه الرؤيا صاحبها إلى أن يلتفت إلى نعم يومه الصغيرة، فيكتب منها ما يستحق الشكر ويستحضرها بهدوء. وقد تذكّره بأن الصبر على العمل الجاد يثمر بتدرج لا باستعجال. وليس الحلم نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا غلب القلق أو الحزن مدة طويلة فالأفضل الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل. وفي الاستماع إلى الأقربين عون كبير على تهدئة النفس.
وقد ورد في الحديث المتفق عليه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وورد أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان. وفي هذا ما يدعو إلى استقبال الرؤى الحسنة بالحمد دون مبالغة ولا استعجال في استنتاج شيء منها. فالصورة الجميلة تُشكر وتُترك بلا ربط بحدث ولا توقع. ويكفي أن تمنح القلب وقتًا من الأنس بعيدًا عن القلق، وهذا بحد ذاته خير.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني لا يملك أحد أن يقطع به، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وليحسن المرء الظن بربه، وليأخذ من الرؤيا معنى الشكر والأمل دون تكلف. وليدعُ الله أن يبارك له فيما رزقه، وأن يملأ قلبه رضا وطمأنينة. والله تعالى أعلم.
