الرؤيا لغة رمزية تحمل إشارات عامة، وليست نقلًا حرفيًا لما سيقع في اليقظة، ولذلك ينبغي أن تُقرأ بهدوء وحسن ظن. وحين يرى الإنسان أنه يتصفح هاتفه ويقلب شاشاته دون هدف واضح، فإن المشهد يتصل غالبًا بالتشتت وكثرة الانشغال، أو بحاجة إلى ما يملأ الفراغ أو يسلي النفس. ولا يصح أن يُفهم منه أن أمرًا بعينه سيحدث. وإنما هو إشارة رمزية قد تعبر عن ضيق أو ملل أو عن فضول طبيعي يبحث عن جديد. وفيما يلي عرض لأبرز المعاني المحتملة مع التذكير بأن الأحوال تختلف.
يرمز الهاتف المحمول في المنام عمومًا إلى التواصل والأخبار وصلة الإنسان بمن حوله، ويشير أحيانًا إلى الانشغال وكثرة المشتتات وحاجة الرائي إلى الانتباه لمن يحبهم. والتصفح فيه يرمز إلى التنقل بين الأمور دون استقرار، أو إلى البحث عن شيء لا يعرفه صاحبه تمامًا. وقد يدل على رغبة في الانشغال هربًا من فكرة ثقيلة. وربما عبّر عن إدمان عادة لا يرتاح الإنسان إليها. وهذه قراءة عامة لا تقطع بشيء.
نُسب إلى ابن سيرين أن التنقل والتقلب في المنام بلا غاية قد يدل على تردد وانشغال بما لا ينفع، وأن النظر في الأمور المفيدة يدل على خير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تقليب الأشياء ومراجعتها قد يشير إلى طلب علم أو حاجة. ومن المهم التذكير بأن الهاتف المحمول لم يكن موجودًا في زمنهم، وأن ما يُنقل عنهم في وسائل الاتصال والرسائل والأخبار يُقاس عليه قياسًا. ولذلك فإن تطبيقه على تصفح الهاتف اجتهاد قد يخطئ، وآراء المفسرين فيه تتفاوت. ويبقى الأسلم أن يؤخذ استئناسًا لا جزمًا.
يتغير المعنى بتغير السياق، فإن كان التصفح هادفًا يبحث فيه الرائي عن معلومة نافعة، فهو أقرب إلى معنى الطلب والاجتهاد. وإن كان عابثًا بلا نهاية، فقد يدل على تشتت وضيق. وإن كان يشعر بالملل أو الإرهاق وهو يتصفح، فقد يعبر عن حاجة إلى الراحة. وإن كان الهاتف المتصفَّح للرائي نفسه، فالمعنى يتعلق بحاله هو، دون أن يكون في ذلك دعوة إلى مراقبة غيره أو فضول في شأنهم. ويبقى شعور الرائي عند الاستيقاظ أهم القرائن.
وللمرأة غير المتزوجة، قد يعبر تصفح الهاتف عن فراغ تسعى إلى ملئه، أو عن تفكير في مستقبلها ودراستها وبحث عن اتجاه. وقد يدل على حاجتها إلى أنس صديقات حقيقيات. ولا يعني المشهد ارتباطًا ولا قرارًا. ويحسن بها أن تخصص وقتًا لهواية نافعة أو عمل تحبه. وقد يخفف عنها التنقل في الهواء الطلق أو لقاء صديقة.
وللمرأة المتزوجة، قد يعبر تصفح الهاتف عن رغبتها في راحة قصيرة من مهام البيت، أو عن إرهاق يدفعها إلى الهرب إلى الشاشة. وقد يدل على حاجتها إلى وقت لنفسها. وليس في المشهد اتهام لأحد ولا دعوة إلى تتبع أحد. ويحسن أن تتقاسم الأعباء مع من حولها وأن تجد ما يريحها فعلًا. وقد تفيدها نزهة قصيرة مع أسرتها.
وللرجل، قد يعبر تصفح الهاتف عن تشتت بين مشاغل العمل والمال، أو عن هروب من تفكير ثقيل إلى تسلية سريعة. وللشاب والطالب قد يدل على ضياع وقت في ما لا ينفع أو على تردد في اختيار طريق. ولا يعني ذلك فشلًا قادمًا. ويحسن أن يحدد الرائي وقتًا للتسلية ووقتًا للعمل. وقد تفيده قائمة بسيطة بما يريد إنجازه.
وللتفاصيل أثر في المعنى، فماذا كان يتصفح الرائي؟ فإن كان قوائم الأسماء فقد يعبر عن علاقات، وإن كان الصور فعن ذكريات، وإن كانت الأخبار فعن قلق من العالم، وإن كان شاشات فارغة فعن فراغ في النفس. وهل وجد ما يبحث عنه؟ فالوجود قد يدل على طمأنينة، وعدمه على حيرة. ومتى كان التصفح، في ساعة متأخرة أم في وقت الفراغ؟ فالسهر قد يدل على قلق. وإن لم يتذكر الرائي ما كان يتصفحه فالمعنى العام كاف.
وعمليًا، قد تكون هذه الرؤيا دعوة إلى مراجعة العلاقة مع الهاتف، وهل صار التنقل بين الشاشات عادة تسرق الوقت والراحة. ويُستحسن أن ينظم الرائي استخدام الهاتف وأن يحدد أوقاتًا بلا شاشات، وأن يخصص وقتًا لأحبته وللمشي والهواء الطلق، وأن يأخذ فترات راحة قبل النوم. وقد يفيده أن يبدل التصفح العابر بقراءة أو عمل يحبه. وليس هذا المنام نصيحة طبية ولا نفسية متخصصة، فإن كان الانشغال المفرط بالهاتف أو القلق المستمر أو اضطراب النوم يؤثر في حياة الرائي، فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات.
وفي الختام، ما ذُكر كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُبنى عليه قرار ولا يقين. والأولى أن يحسن الرائي ظنه بالله، وأن يدعو ربه بصفاء الذهن وانشراح الصدر وصلاح الأحوال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارات رمزية تُقرأ بتواضع. والله أعلم بحقيقة كل رؤيا وبما يصلح لعباده.
