قد يرى كبير السن الهاتف المحمول في منامه، وهو أمر طبيعي لأن الهاتف صار نافذته إلى الأبناء والأحفاد والأصدقاء. وهذه الرؤيا رمزية لا تُقرأ حرفيًا، وليست إخبارًا عن حدث قادم. فالمنام يتأثر بما يشغل البال وما يسكن القلب من شوق وانتظار. لذلك يُقرأ ما يلي بوصفه تأملًا هادئًا لا حقيقة مؤكدة. ويبقى الرائي أعلم بحاله وما مرّ به من أيام.
الهاتف المحمول رمز للتواصل والأخبار والعلاقات، ومن معانيه الانشغال وكثرة الالتفات إلى الخارج. وهو عند كبير السن وسيلة لسماع صوت الأحبة ورؤية وجوههم وإن بعدت المسافات. وقد يعبر في الرؤيا عن شوق إلى لمّة الأسرة أو عن رغبة في الاطمئنان على الأبناء والأحفاد. وقد يعبر أيضًا عن حيرة أمام تقنية جديدة أو عن حاجة إلى هدوء بعيدًا عن كثرة الأصوات. وهذه احتمالات لا يُجزم بواحد منها دون النظر إلى تفاصيل الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الكتب والرسائل أن ورودها يتصل بالتبليغ والأخبار، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة تخص الأمانات والمراسلة. والهاتف المحمول لم يكن موجودًا في زمنهما، فما يُنقل عنهما في وسائل الاتصال والرسائل والأخبار يُقاس عليه قياسًا. ولهذا تتفاوت آراء المعبرين المعاصرين في تنزيله على الجوال. ويظل ذلك اجتهادًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ. فلا ينبغي أن يوتر الرائي أو يشغل باله.
يؤثر السياق في المعنى، فهاتف يُمسك بهدوء في مجلس عائلي دافئ غير هاتف يصعب فتحه أو يرن في ضجيج. فإن كان المشهد مألوفًا وصافيًا فقد يعكس أنسًا بالصلات القائمة. وإن كان مرتبكًا فقد يعكس تعبًا من سرعة الأحداث وكثرة المطالب. وشعور الرائي عند الاستيقاظ جزء من القراءة، فالسكينة ترجح معنى الأنس، والانقباض يرجح معنى الحاجة إلى راحة. وتفيد مقارنة الحلم بما كان يشغله في أيامه الأخيرة.
كبير السن عاش مراحل متعددة وشهد تبدل وسائل التواصل من رسالة تُكتب إلى صوت يصل في ثوان. فقد يعكس الحلم مزيجًا من الدهشة والامتنان لما صار متاحًا. وقد يعكس رغبته في أن يبقى قريبًا من أسرته ولو بمكالمة قصيرة. وقد يعكس شعورًا بأن الإيقاع صار أسرع من طاقته أحيانًا. وليس في ذلك دلالة على أمر محدد، فهي صور رمزية لمرحلة عمرية فيها خبرة وهدوء.
وقد يتصل الحلم بحاجة الرائي إلى من يجالسه ويصغي إلى ذكرياته، فالهاتف قد يرمز إلى باب يُفتح على أنس الأبناء. فإن رأى نفسه يتكلم مع أحد أحفاده وهو مبتسم، فقد يعكس ذلك قيمة هذه الصلة عنده. وإن رأى نفسه يجد صعوبة في استعمال الهاتف، فقد يرمز ذلك إلى رغبة في مساعدة لطيفة من أهله. ولا يصح أن يتحول ذلك إلى حرج أو شعور بالنقص، فتعلم الجديد لا عيب فيه في أي عمر. الأولى أن يطلب العون بطمأنينة.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها، فحجم الأحرف على الشاشة وصوت الرنين وهدوء المكان وكون الهاتف بيده أو بيد أحد أبنائه قد ترجح اتجاهًا دون آخر. فالشاشة الواضحة قد تدل على صفاء في أمر كان يشغله، والهاتف الذي يناوله أحد أبنائه قد يرمز إلى سند قريب. وإن كان الهاتف قديمًا فقد يرمز إلى ألفة مع عادات استقرت. ويستحسن أن يطلب من أحد أهله أن يدون ما يتذكره من الحلم إن شاء. ثم يقرأه بهدوء بلا مبالغة.
ويضاف إلى ما سبق أن الرؤيا الواحدة قد تحمل أكثر من معنى، فالهاتف قد يرمز إلى الشوق والأنس والراحة معًا. ولذلك فإن حصرها في تفسير واحد قد يفوّت معاني أقرب إلى حال الرائي. ويستطيع أن يسأل نفسه بهدوء عمن يتمنى أن يسمع صوته اليوم، وعما يدخل السرور على قلبه. وتساعد هذه الأسئلة على فهم الحلم دون إرهاق. ثم يمضي إلى يومه بقلب مرتاح.
ومن الناحية العملية والنفسية، يفيد أن يحدد أهله له أوقاتًا ثابتة للمكالمات الودية، كي لا ينتظر دون موعد. وأن يُعدّ الهاتف بخط كبير وصوت واضح ليسهل عليه استعماله. وأن يحرص على نوم منتظم وجلسات هادئة وزيارات مباشرة قدر الإمكان، فهي تمنح دفئًا يفوق الشاشات. وإن لازمه القلق المستمر أو الأرق أو شعور شديد بالوحدة، فمن المفيد أن يتكلم مع طبيبه أو مع مختص أو مع أحد أهله. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة.
وفي الختام، هذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يُبنى عليه خوف ولا قرار. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه الإنسان في منامه لا يكشف مستقبله ولا يحدد مصيره. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعُ بأن يمنحه الصحة والطمأنينة ويحفظ له أهله. وأن يجمعه بأحبته في خير ويبارك له في عمره وراحته. والله أعلم بحقيقة الأمور كلها.
