رؤية الإنسان نفسه يتصل بغيره في المنام من الرؤى التي تحمل معنى المبادرة والحاجة إلى الوصل. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا يُبنى عليها يقين ولا يُستعجل في تفسيرها بجزم، ولا يُتوقع منها حدوث مكالمة حقيقية. والمكالمة الصادرة في المنام صورة لما يخرج من الإنسان تجاه غيره من كلام ورغبة. وقد تعبّر عن اهتمامه بأمر أو بشخص يريد أن يطمئن عليه. وما يلي قراءة هادئة تحتمل أكثر من وجه، وليست إخبارًا بأمر مؤكد.
الهاتف رمز عام للتواصل والأخبار والعلاقات والانتباه إلى الآخرين، والمكالمة الصادرة تضيف إليه معنى المبادرة وطلب الوصول. فقد تدل على رغبة الرائي في أن يتواصل مع أحد أو يعتذر أو يسأل أو يطمئن. وقد تعبّر عن حاجته إلى أن يُسمع صوته ويُعبَّر عن شعوره. وقد ترمز كذلك إلى قرار بخطوة تجاه علاقة أو عمل. ولا يتحدد المعنى إلا بما رافق المشهد من شعور وتفاصيل.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الكلام والأخبار أن ما يخاطب به الإنسان غيره في المنام قد يُفسَّر بما يطلبه منه أو يعبّر به عن حاجته، بحسب مضمونه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مخاطبة الناس قد تُقرأ على سعي في أمر أو طلب لحاجة. غير أن الهاتف المحمول لم يكن موجودًا في زمنهم، وما يُنقل عنهم في وسائل الاتصال والرسائل والأخبار يُقاس عليه قياسًا. وهذا القياس اجتهاد تختلف فيه الآراء، فلا يصح اعتباره نصًا صريحًا في الهاتف.
للسياق أثر كبير. فإن كان الرائي يتصل بهدوء وثقة، فقد يُفهم على أنه مبادرة طيبة وحسن تدبير. وإن كان يتردد قبل الضغط على الزر، فقد يعبّر عن حيرة في قول شيء لم يتهيأ له. وإن كان يتصل ولا يجد من يجيبه، فقد يدل على رغبة في الوصول لم تتحقق بعد. وإن كان يتصل بجهة رسمية أو بعمل، فقد يرتبط بأمر عملي يشغله.
إذا رأت العزباء أنها تتصل بأحد، فقد يرتبط ذلك برغبتها في أن تبادر بالسؤال عن صديقة أو قريب، أو بخطوة تريد أن تتخذها في دراستها أو عملها. وقد يعبّر عن حاجتها إلى التعبير عما بداخلها. وإن كانت مطمئنة، فالأقرب أن المعنى إلى الثقة والمبادرة. وإن كانت متوترة، فقد يعكس ذلك ترددها. وليس في ذلك توقع لاتصال حقيقي، وإنما هي دلالات محتملة.
وإذا رأته المتزوجة، فقد يتصل برغبتها في أن تطمئن على أهلها وأقاربها، أو في أن تعبّر عن أمر يهمها داخل أسرتها. وقد يعبّر عن حرصها على أن تبقى الصلة قائمة. وأما الرجل فقد يرى فيه مبادرة في عمل أو علاقة، أو رغبة في إنهاء أمر معلق باتصال. وإن كان شابًا، فقد يدل على استعداد لخطوة جديدة في صحبة أو دراسة. وتبقى هذه القراءات متوقفة على ظروف كل رائٍ، ولا يُراد بها اتهام أحد.
وللتفاصيل أثر في الرؤيا. فإن كان الرائي يعرف ما سيقوله، فقد يشير إلى وضوح في النية. وإن كان لا يدري ماذا يقول، فقد يعبّر عن حيرة. وإن كان الرقم الذي يطلبه غير مكتمل، فقد يرتبط بأمر لم تتم صورته في الذهن. وإن كانت المكالمة طويلة ودافئة، فقد تدل على حاجة إلى حوار صادق.
ومما يُلتفت إليه أن كثيرًا من الناس يؤجلون الاتصال بمن يحبون بحجة الانشغال، فيظهر هذا الأمر في المنام. وقد يأتي المشهد بعد التفكير في اتصال لم يتم أو بعد كلام عن صديق قديم. وفي هذه الحالة لا يكون في الرؤيا أكثر من صدى لهذه الرغبة الطيبة، وهي رغبة يعرفها كثير من الناس ولا تدل على شيء سوى الحنين إلى الصحبة. ويبقى التأويل الرمزي احتمالًا لا يقينًا، ولا ينبغي أن يُستخلص منه ما سيقع في الواقع.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى المبادرة الطيبة بالسؤال عن الأحبة وصلة الأرحام والأصدقاء بكلمة لطيفة، فهذا من أبسط ما ينفع القلوب. ويحسن بالرائي أن يجعل لذلك وقتًا ثابتًا، وأن يلتقي بمن يحب وجهًا لوجه كلما أمكن. كما يفيد أن ينظم ساعات استعماله للهاتف. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، فإذا استمر الانشغال المفرط بالهاتف أو القلق المستمر أو اضطراب النوم، فالأولى التكلم مع مختص أو أحد الأهل.
وفي الختام، هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُجزم به على أحد. ويحسن بالرائي أن يستقبل رؤياه بحسن الظن بالله والدعاء بالخير والسكينة. وما كان فيها من ضيق فالأولى صرفه عن البال والاشتغال بما ينفع. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يُبنى على الرؤيا قرار مصيري.
