من الصور المزعجة التي قد تمر على النائم أن يسمع هاتفه يرن بلا توقف ولا يستطيع إسكاته. وهذه الصورة رمزية بحتة، ولا تدل على اتصال حقيقي ولا على خبر في الواقع. فالمنام لغة صور تعبر عن الانطباعات والمشاعر لا عن وقائع. والرنين فيه صدى لما في النفس من انشغال وترقب. لذلك يُقرأ ما يلي بوصفه تأملًا هادئًا لا حقيقة مؤكدة. ويبقى الرائي أعلم بما كان يشغله.
الهاتف المحمول رمز للتواصل والأخبار والعلاقات، ومن معانيه الانشغال وكثرة الالتفات إلى الخارج. والرنين المتواصل قد يرمز إلى إلحاح المطالب التي تنتظر ردًا، أو إلى ضجيج داخلي لا يهدأ. فقد يشير إلى شعور بأن الناس يطلبون الكثير ولا يتركون فسحة للراحة. وقد يشير إلى قلق مستمر أو ترقب لأمر معلق. وقد يشير كذلك إلى حاجة ملحة إلى صمت وهدوء. وهذه احتمالات لا يُجزم بواحد منها.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الكتب والرسائل أن ورودها يتصل بالتبليغ والأخبار، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة تخص الأمانات والمراسلة. والهاتف المحمول لم يكن موجودًا في زمنهما، فما يُنقل عنهما في وسائل الاتصال والرسائل والأخبار يُقاس عليه قياسًا. ولذلك تختلف آراء المعبرين المعاصرين في إسقاطه على الجوال اختلافًا ظاهرًا. وليس في أقوال المعبرين ما يُفهم منه أن الرنين خبر عن شيء بعينه، فهو في الغالب صدى لحال الرائي. ويظل ذلك اجتهادًا ظنيًا.
للسياق أثر كبير في المعنى، فرنين متقطع في مكان مألوف غير رنين صاخب يملأ المكان ويضغط على الأذن. فإن كان الرنين خفيفًا فقد يعكس تذكيرًا بأمر يحتاج إلى عناية. وإن كان صاخبًا لا يُحتمل فقد يعكس تعبًا شديدًا من كثرة المطالب والضجيج. وشعور الرائي عند الاستيقاظ جزء مهم من القراءة. وتفيد مقارنة الحلم بما كان يمر به من ضغط وانشغال في أيامه الأخيرة.
وقد يتصل الحلم بحال من يستيقظ فيجد إشعارات كثيرة تنتظره، فيدخل ضجيجها إلى مناماته. وقد يتصل بشعور بأن كل من حوله يريد منه شيئًا في وقت واحد. وقد يتصل بتأخر في الرد على أمر معلق يطن في الذهن كما يطن الرنين. وليس في ذلك اتهام لأحد ولا توقع لأمر، وإنما هو انعكاس لما في النفس. والأحسن أن يُقرأ الحلم دعوة إلى تخفيف الضجيج.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها في الترجيح، فنوع الرنين وارتفاع صوته وهل استطاع الرائي الرد أو إسكاته وما ظهر على الشاشة قد تضيف معنى. فالرنين الذي يتوقف حين يمسك الهاتف قد يرمز إلى أن الأمر أخف مما يظن. والرنين الذي لا يتوقف قد يرمز إلى انشغال يحتاج إلى وقفة. وإن كان الاسم على الشاشة مألوفًا فقد يرمز إلى صلة حاضرة في الذهن دون أي دلالة على اتصال فعلي. ويستحسن أن يدون ما يتذكره ثم يقارنه بحاله.
ومن المعاني المحتملة أن يكون الحلم دعوة لطيفة إلى وضع حدود صحية للتواصل. فقد يكون الرنين المتواصل صورة لحاجة النفس إلى أن تقول لا بلطف أو أن تؤجل الرد إلى وقت مناسب. ولا يصح أن يتحول ذلك إلى خوف من رنين حقيقي أو تأويله بأي دلالة خارجية، فالحلم لا يتنبأ بشيء. وإنما هو فرصة لأن يرتب الرائي أوقات الرد. وهذا المعنى يبقى اجتهادًا لا قطعيًا.
ويضاف إلى ما سبق أن الرؤيا الواحدة قد تحمل أكثر من معنى، فالرنين قد يرمز إلى الإلحاح وإلى الاشتياق إلى الاتصال معًا. ولذلك فإن حصرها في تفسير واحد قد يفوّت معاني أقرب إلى واقع الرائي. ويستطيع أن يسأل نفسه بهدوء عما كان يزعجه قبل النوم، وعمن يتمنى أن يسمع صوته فعلًا. وتساعد هذه الأسئلة على تحويل الحلم إلى خطوة عملية. ثم يمضي إلى يومه بقلب هادئ.
ومن الناحية العملية والنفسية، يفيد أن يضع الرائي هاتفه على الوضع الصامت في أوقات الراحة والنوم، وأن يغلق الإشعارات غير الضرورية. وأن يحدد وقتًا للرد على الاتصالات والرسائل. وأن يترك فسحة للجلوس مع أهله بلا مقاطعة. فإن لازمه القلق المستمر أو الأرق أو شعور بأنه لا يستطيع التوقف عن تفقد الهاتف، فمن المفيد أن يتكلم مع أحد أهله أو مع مختص. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة.
وفي الختام، هذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يُبنى عليه خوف ولا قرار. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه الإنسان في منامه لا يكشف مستقبله ولا يخبر عن اتصال أو خبر. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعُ بأن يرزقه الطمأنينة وهدوء البال. وأن يبعد عنه الضجيج ويفتح له أبواب الراحة. والله أعلم بحقيقة الأمور كلها.
