قد يرى المريض الهاتف المحمول في منامه، وهو أمر مفهوم لأن الهاتف يرافقه في أيام الراحة والمتابعة. وهذه الرؤيا رمزية لا تُقرأ حرفيًا، وليست دليلًا على تحسن ولا على تدهور في الصحة. فالمنام يتأثر بالتعب والانتظار وما يشغل البال من أفكار ومشاعر. لذلك يُقرأ ما يلي بوصفه تأملًا هادئًا لا رأيًا طبيًا ولا خبرًا عن المستقبل. ويبقى الرائي أعلم بحاله، وأهل الاختصاص أعلم بصحته.
الهاتف المحمول رمز للتواصل والأخبار والعلاقات، ومن معانيه الانشغال وكثرة الالتفات إلى الخارج. وهو عند من يلزم الراحة نافذة على الأهل والأصدقاء وما يجري خارج الغرفة. وقد يعبر في الرؤيا عن شوق إلى صوت قريب ومحبوب، أو عن حاجة إلى أنس يخفف طول الوقت. وقد يعبر أيضًا عن رغبة في هدوء بعيد عن كثرة الأخبار والآراء. وهذه احتمالات لا يُجزم بواحد منها دون النظر إلى تفاصيل الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الكتب والرسائل أن ورودها يتصل بالتبليغ والأخبار، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة تخص الأمانات والمراسلة. والهاتف المحمول لم يكن موجودًا في زمنهما، فما يُنقل عنهما في وسائل الاتصال والرسائل والأخبار يُقاس عليه قياسًا. ولذلك تختلف آراء المعبرين المعاصرين في إسقاطه على الجوال اختلافًا ظاهرًا. ويظل ذلك اجتهادًا ظنيًا يحتمل الخطأ. فلا ينبغي أن يوتر الرائي أو يشغله عن راحته.
للسياق أثر كبير في المعنى، فهاتف هادئ بين يدين مرتاحتين في غرفة مضيئة غير هاتف يرن وسط ضجيج. فإن كان المشهد صافيًا فقد يعكس ارتياحًا لما يحيط بالرائي من صلات طيبة. وإن كان مرتبكًا فقد يعكس تعبًا من كثرة الأسئلة والاتصالات والزيارات. وشعور الرائي عند الاستيقاظ جزء من القراءة، فالسكينة ترجح معنى الأنس، والانقباض يرجح معنى الحاجة إلى مزيد من الراحة. وتفيد مقارنة الحلم بما مرّ به في الأيام الماضية.
يمر المريض بفترة يزداد فيها اعتماده على من حوله، ويصير الهاتف جسرًا بينه وبين أحبته. فقد يعكس الحلم رغبته في أن يطمئن عليه الأهل وأن يطمئن عليهم. وقد يعكس شعورًا بالملل أو بالوحدة في بعض الساعات، وحاجة إلى كلام لطيف يخفف عنه. وقد يعكس كذلك ضيقه من كثرة النصائح والأخبار التي تصله من كل جانب. وليس في ذلك دلالة على تقدم المرض أو تراجعه، فهي صور رمزية تخص الرائي وحده.
ومن المعاني المحتملة أن يكون الحلم دعوة إلى انتقاء ما يدخل إلى ذهنه، فالراحة تحتاج إلى هدوء في المعلومات كما تحتاج إلى هدوء في الجسد. فإن رأى الهاتف يمتلئ بالرسائل وشعر بالضيق، فقد يرمز ذلك إلى حاجته لتخفيف الضجيج. وإن رآه وسيلة يتكلم بها مع من يحب وهو مرتاح، فقد يعكس قيمة الصلة الودية عنده. ولا يصح أن يتحول الحلم إلى سبب لتغيير الدواء أو العلاج، فهذا شأن الطبيب وحده. وإنما هو صورة تُقرأ بهدوء.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها، فالهاتف المضيء قد يرمز إلى وضوح في أمر شغل الرائي، والبطارية الضعيفة قد ترمز إلى حاجة إلى مزيد من الراحة والنوم. وإن كان الهاتف بيد أحد أفراد أسرته أو مرافقه فقد يرمز إلى سند يشعر به أو يتمناه. ويستحسن ألا يبالغ في استخراج دلالات من كل جزئية، فالحلم صورة مركبة لا تحتمل التقطيع الشديد. ويكفي أن يخرج بفكرة عامة عن حاجته إلى الأنس والهدوء. ثم يدعو ويطمئن.
ويضاف إلى ما سبق أن الرؤيا الواحدة قد تحمل أكثر من معنى، فالهاتف قد يرمز إلى الشوق والراحة والانشغال معًا. ولذلك فإن حصرها في تفسير واحد قد يفوّت معاني أقرب إلى حال صاحبها. ويستطيع أن يسأل نفسه بهدوء عمن يتمنى أن يسمع صوته، وعما يريح قلبه في ساعات الانتظار. وتساعد هذه الأسئلة على فهم الحلم دون إرهاق للنفس. ثم يعود إلى راحته بقلب مطمئن.
ومن الناحية العملية والنفسية، يفيد أن يحدد المريض أوقاتًا قصيرة لمتابعة الرسائل والاتصالات، ويترك بقية يومه للراحة والنوم والهدوء. وأن يطلب من أهله زيارات قصيرة هادئة أو اتصالات صوتية قليلة بدل كثرة الرسائل. وأن يحرص على نوم منتظم وطعام مناسب بحسب توجيهات طبيبه. وإن لازمه القلق المستمر أو الأرق أو ضيق النفس من طول المرض، فمن المفيد أن يتكلم مع طبيبه أو مع مختص أو مع أحد أهله. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية متخصصة.
وفي الختام، هذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يُبنى عليه خوف ولا قرار يتعلق بالصحة أو العلاج. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه الإنسان في منامه لا يكشف مستقبله ولا يحدد مصيره. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعُ بأن يمنحه الطمأنينة والعافية والصبر الجميل. وأن يحفظ أهله ويجمعه بمن يحب في خير. والله أعلم بحقيقة الأمور كلها.
