قد يرى المسافر الهاتف المحمول في منامه، وهو أمر طبيعي لأن الهاتف رفيق الطريق ووسيلة الصلة بالأهل والخرائط والمواعيد. وهذه الرؤيا رمزية لا تُقرأ حرفيًا، وليست إخبارًا عن سلامة الطريق أو تأخره. فالمنام يتأثر بالتعب والتنقل وما يشغل البال بين مكان وآخر. لذلك يُقرأ ما يلي بوصفه تأملًا هادئًا لا حقيقة مؤكدة. ويبقى المسافر أعلم بظروف رحلته.
الهاتف المحمول رمز للتواصل والأخبار والعلاقات، ومن معانيه الانشغال وكثرة الالتفات إلى الخارج. وهو عند المسافر خيط يربطه بمن تركهم وراءه وبمن ينتظرهم في وجهته. وقد يعبر في الرؤيا عن شوق إلى الأهل أو عن رغبة في الاطمئنان على من خلفه. وقد يعبر أيضًا عن حاجة إلى ترتيب الخطوات والمواعيد أو إلى هدوء بعيدًا عن الشاشات. وكلها احتمالات لا يُجزم بواحد منها دون النظر إلى تفاصيل الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الكتب والرسائل أن ورودها يتصل بالتبليغ والأخبار، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة تخص الأمانات والمراسلة. والهاتف المحمول لم يكن موجودًا في زمنهما، فما يُنقل عنهما في وسائل الاتصال والرسائل والأخبار يُقاس عليه قياسًا. ولهذا تتفاوت آراء المعبرين المعاصرين في تنزيله على الجوال تفاوتًا ظاهرًا. ويظل ذلك اجتهادًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ. فلا يصح أن يُبنى عليه قرار في السفر أو تأجيله.
يؤثر السياق في المعنى، فهاتف يُمسك بهدوء في محطة هادئة يختلف عن هاتف يُبحث عنه بسرعة وسط زحام. فإن كان المشهد صافيًا فقد يعكس انتظامًا في ترتيبات الرحلة وصلات الرائي. وإن كان مرتبكًا فقد يعكس قلقًا من كثرة التفاصيل أو خوفًا من نسيان شيء. وشعور المسافر عند الاستيقاظ جزء من القراءة، فالراحة ترجح معنى الألفة، والانقباض يرجح معنى الإرهاق. وتفيد مقارنة الحلم بما مرّ به في الأيام الأخيرة من استعداد وتنقل.
المسافر يعيش بين مكانين، مكان تركه ومكان يقصده، والهاتف يصل بينهما. فقد يعكس الحلم شوقه إلى أهله وبيته، ورغبته في أن يسمع أخبارهم وأن يطمئنوا عليه. وقد يعكس انشغاله بتفاصيل التنقل من مواعيد وحجوزات وعناوين. وقد يعكس أيضًا شعورًا بالغربة في بعض الساعات وحاجة إلى صلة دافئة. وليس في ذلك دلالة على أحداث الطريق، فهي صور رمزية تخص حال الرائي وما يحمله في نفسه.
وقد يتصل الحلم بالتوازن بين الانشغال بالهاتف والاستمتاع بالمكان الذي يزوره أو العمل الذي سافر من أجله. فإن رأى نفسه ينظر إلى الشاشة دون أن يرفع رأسه إلى ما حوله، فقد يرمز ذلك إلى حاجة إلى حضور أكبر في الوقت الذي يعيشه. وإن رأى نفسه يتكلم مع أسرته وهو مرتاح، فقد يعكس قيمة الأنس عنده. وإن رأى الهاتف يضيع منه في الطريق، فقد يعكس رغبة في تخفيف الارتباط بالشاشة. ولا يصح أن يتحول ذلك إلى خوف أو تشاؤم، فالحلم لا يتنبأ بشيء.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها، فلون الهاتف وحالة الشبكة وسطوع الشاشة والمكان الذي يظهر فيه قد ترجح اتجاهًا دون آخر. فالشاشة الواضحة قد تدل على وضوح في أمر كان يشغله، والشبكة الضعيفة قد تدل على رغبة في هدوء أو على شعور بالبعد. وإن كان الهاتف بيد قريب له فقد يرمز إلى اهتمامه بصلته به. ويستحسن أن يدون ما يتذكره سريعًا ثم يقارنه بحاله. وبعد ذلك يقرأ الصورة بلا مبالغة.
ويضاف إلى ما سبق أن الرؤيا الواحدة قد تحمل أكثر من وجه، فالهاتف قد يرمز إلى الشوق والترتيب والراحة معًا. ولذلك فإن حصرها في تفسير واحد قد يفوّت معاني أقرب إلى واقع الرائي. ويستطيع أن يسأل نفسه بهدوء عما كان يشغله قبل النوم، وعمن يتمنى أن يكلمه أكثر. وتساعد هذه الأسئلة على فهم الحلم دون تعمق مبالغ فيه. ثم يعود إلى رحلته بقلب مرتاح.
ومن الناحية العملية والنفسية، يفيد أن يحدد المسافر أوقاتًا ثابتة للاتصال بأهله حتى لا يبقى الهاتف في يده طوال اليوم. وأن يجعل لنفسه ساعات يتأمل فيها المكان الذي يزوره ويستريح فيها من الشاشة. وأن يحرص على نوم كاف وطعام منتظم لأن الإرهاق يضخم القلق. فإن لازمه القلق المستمر أو الأرق أو شعور شديد بالوحدة، فمن المفيد الكلام مع أحد أهله أو أصدقائه أو مع مختص. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة.
وفي الختام، هذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يُبنى عليه قرار في السفر أو الإقامة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه الإنسان في منامه لا يكشف مستقبله. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعُ بأن يحفظه ويحفظ أهله وأن يمنحه السكينة في طريقه. وأن يردّه إلى أحبته سالمًا مطمئنًا حين يحين الأوان. والله أعلم بحقيقة الأمور.
