من الصور العجيبة في الأحلام أن يرى النائم هاتفه وقد صار زهرة في يده. وهذه الصورة رمزية بحتة، ولا تدل على حدث في الواقع. فالمنام لغة صور تعبر عن الانطباعات والمشاعر لا عن وقائع. وتحول الشيء إلى شيء آخر في الأحلام يحمل غالبًا دلالة على انتقال في الشعور أو النظرة. لذلك يُقرأ ما يلي بوصفه تأملًا هادئًا لا حقيقة مؤكدة.
الهاتف المحمول رمز للتواصل والأخبار والعلاقات، ومن معانيه الانشغال وكثرة الالتفات إلى الخارج. والزهرة رمز للرقة والجمال والعناية والود. فقد يشير تحول الهاتف إلى زهرة إلى رغبة في أن يكون التواصل ألطف وأصفى وأقرب إلى القلب. وقد يشير إلى شوق إلى علاقة دافئة تُرعى بعناية كما تُرعى الأزهار. وقد يشير كذلك إلى أن الرائي يتمنى أن تحمل الشاشة لمسة جمال بدل الضجيج. وهذه احتمالات لا يُجزم بواحد منها.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الكتب والرسائل أن ورودها يتصل بالتبليغ والأخبار، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة تخص الأمانات والمراسلة. والهاتف المحمول لم يكن موجودًا في زمنهما، فما يُنقل عنهما في وسائل الاتصال والرسائل والأخبار يُقاس عليه قياسًا. ويُذكر في بعض كتب التعبير أن الأزهار ترتبط عند بعضهم بالسرور والزينة ولطف الصلة، وهذا أيضًا يختلف فيه المعبرون ولا يُقطع به. ويظل الجمع بين المعنيين اجتهادًا ظنيًا يحتمل الخطأ.
للسياق أثر كبير في المعنى، فزهرة نضرة في مكان هادئ غير زهرة ذابلة في مكان مظلم. فإن كانت الزهرة نضرة فقد يعكس ذلك ارتياحًا للصلات الطيبة. وإن كانت ذابلة فقد يعكس شعورًا بأن علاقة ما تحتاج إلى عناية أو أن الانشغال أرهق الود. وشعور الرائي عند الاستيقاظ جزء مهم من القراءة. وتفيد مقارنة الحلم بما كان يشغله في أيامه الأخيرة. ولا بأس أن يتذكر الرائي هل كان في باله قريب أو صديق يتمنى أن يتواصل معه بلطف قبل نومه، فقد يفسر ذلك صورة الزهرة.
وقد يتصل الحلم بحاجة إلى كلمة طيبة تُقال أو تُسمع، فتأتي الزهرة رمزًا للطف في القول. وقد يتصل بشوق إلى عودة بساطة العلاقات وصفائها. وقد يتصل برغبة في العناية بما بين الناس من مودة بدل الانشغال بالأخبار. وليس في ذلك إخبار عن واقع، وإنما هو صدى لما في النفس. والأحسن أن يُقرأ الحلم بنظرة هادئة غير متسرعة. فالزهرة في هذه الصورة لا تحمل خبرًا ولا وعدًا، وإنما تحمل معنى الرقة الذي قد تشتاق إليه النفس.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها في الترجيح، فلون الزهرة ورائحتها وعددها وهل كانت في يد الرائي أو في إناء قد تضيف معنى. فاللون الأبيض قد يرمز إلى صفاء، والأحمر قد يرمز إلى دفء، والأصفر قد يرمز إلى إشراق. وإن كانت الزهرة تنمو من الهاتف فقد ترمز إلى علاقة تنمو بالعناية، وإن أهداها الرائي لأحد فقد ترمز إلى رغبة في المبادرة بود. ويستحسن أن يدون ما يتذكره ثم يقارنه بحاله بلا مبالغة.
ومن المعاني المحتملة أن يكون الحلم دعوة لطيفة إلى جعل الهاتف وسيلة لنشر الود. فقد تكون الزهرة صورة لما يتمناه الرائي من رسائل طيبة ومكالمات دافئة. ولا يصح أن يتحول ذلك إلى انتظار هدية أو خبر، فالحلم لا يتنبأ بشيء. وإنما هو فرصة لأن يبادر بكلمة طيبة لقريب أو صديق. وهذا المعنى يبقى اجتهادًا لا قطعيًا.
ويضاف إلى ما سبق أن الرؤيا الواحدة قد تحمل أكثر من معنى، فالزهرة قد ترمز إلى الود وإلى الراحة من الضجيج معًا. ولذلك فإن حصرها في تفسير واحد قد يفوّت معاني أقرب إلى واقع الرائي. ويستطيع أن يسأل نفسه بهدوء عمن يستحق كلمة لطيفة، وعما يريح قلبه من جماليات يومه. وتساعد هذه الأسئلة على تحويل الحلم إلى خطوة عملية بسيطة. ثم يمضي إلى يومه بقلب مطمئن.
ومن الناحية العملية والنفسية، يفيد أن يرسل الرائي رسالة طيبة قصيرة أو يتصل بقريب في يومه، وأن يجلس بعيدًا عن الشاشة في مكان فيه نبات أو هواء نقي. وأن يخصص وقتًا لهواية تحبها نفسه. وأن ينظم أوقات استعمال الهاتف. فإن لازمه القلق المستمر أو اضطراب النوم أو الشعور بعدم القدرة على ترك الهاتف، فمن المفيد أن يتكلم مع أحد أهله أو مع مختص. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة.
وفي الختام، هذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يُبنى عليه خوف ولا قرار. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يراه الإنسان في منامه لا يكشف مستقبله. فليحسن الرائي الظن بربه، وليدعُ بأن يرزقه الطمأنينة ويملأ قلبه سكينة. وأن يديم المودة بينه وبين أحبته. والله أعلم بحقيقة الأمور كلها.
