الرؤيا في المنام لغة رمزية، وما يظهر فيها من مسافات كأن يرى النائم الرمان بعيدًا عنه لا يُحمل على ظاهره، بل يُنظر إلى ما قد يشير إليه من معانٍ. والبعد في الرؤى كثيرًا ما يُقرأ على أنه أمر مرجو لم يتحقق بعد أو غاية تحتاج إلى مسافة من السعي. وظهور الرمان بعيدًا يجمع بين رمزية الثمرة ورمزية المسافة، فيتسع المعنى ويتعدد. لذلك تُقرأ التفسيرات التالية على أنها احتمالات للتأمل وليست أمورًا حتمية. ويحسن أن يُستقبل التفسير بهدوء وعدم تعجل.
الرمان في الرمزية العامة ثمرة تضم حبات كثيرة داخل غلاف واحد، ولذلك يُفسَّر عند كثير من المعبّرين بالرزق المتعدد والخير الوفير. ويُقرأ اجتماع الحبات في موضع واحد على أنه صورة للأسرة المتماسكة والأمور التي تتجمع شيئًا فشيئًا. وقد يرمز إلى نعمة تأتي من أكثر من باب وبأشكال متعددة. ويتغير المعنى بحسب نضج الثمرة وطعمها وحالها. وكل ذلك احتمال لا جزم فيه.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الفواكه أن الرمان قد يدل على مال أو رزق بقدر ما فيه من حبات، وأن الحلو أحسن حالًا من الحامض. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرمان قد يشير إلى الأسرة والأولاد والمنفعة المشتركة. وتختلف الآراء بين المعبّرين في التفاصيل، ولا يوجد معنى واحد متفق عليه في كل حال. كما أن الرموز الأقل شيوعًا في الرؤى، ومنها بُعد الثمرة عن الرائي، أقل تناولًا في الكتب القديمة من غيرها. ولذلك يُستأنس بما كُتب ولا يُبنى عليه اعتماد كامل.
يتأثر المعنى بسياق الرؤيا، فمقدار البعد ومكان الرمان ومن كان حاضرًا وشعور الرائي أثناء الرؤية تغيّر القراءة تغييرًا واضحًا. فإذا كان الرمان بعيدًا لكن الرائي مطمئن ويراه واضحًا، مال التفسير إلى معاني الأمل والتطلع. وإذا صاحب المشهد حسرة أو ضيق، فقد يدل ذلك على شوق إلى أمر لم يتحقق بعد وعلى رغبة في الاقتراب منه. وكذلك يُنظر إلى كون الرمان على جبل أو عبر نهر أو في أرض واسعة. وكل تفصيل يضيف إلى الصورة معنى صغيرًا.
الرمان البعيد يُقرأ عند بعضهم على أنه أمل مرجو لم يحن وقته، كفرصة عمل أو لقاء أو أمر يتمناه الرائي ويحتاج إلى وقت وسعي. وقد يشير كذلك إلى أن الخير موجود لكنه لا يُنال بالتمني وحده، فلا بد من خطوات في الطريق إليه. وإن بدا الرمان واضحًا مهما بعُد، فقد يُفهم منه أن الهدف معروف الملامح، وإن كان خافتًا فقد يدل على حاجة إلى توضيح الهدف أولًا. وليس في هذه القراءات جزم، فهي أقرب إلى صور تعبّر عن حال الرائي. ويبقى المعنى مفتوحًا لأكثر من احتمال.
وتختلف القراءة بحسب نوع الرائي، فالعزباء قد تتصل الصورة عندها بتطلع إلى استقرار تنتظره، والمتزوجة بأمر في الأسرة تتمنى تحققه. والرجل قد تتصل عنده بالعمل والرزق، والطالب بمستقبل ما زال بعيدًا، والمسافر بالعودة إلى أهله. وإن كان المريض هو الرائي فقد تعبّر عن رغبته في الراحة، مع التذكير بأن الحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن الطبيب. وكل ذلك يعتمد على ما يشغل الرائي فعلًا. وليس لأي فئة قراءة ثابتة لا تتغير.
للتفاصيل الدقيقة أثر في التفسير، فالرمان الأحمر الناضج البعيد يُقرأ عادة على أنه خير مرجو، والثمرة غير الناضجة قد تشير إلى أمر ما زال في بدايته. والرمان الحلو قد يرمز إلى سعة وراحة عند الوصول، والحامض إلى صبر وتحمل في الطريق. وكثرة الرمان البعيد قد تدل على تعدد الفرص المقبلة، والرمانة الواحدة على هدف واحد. ولون الحبات الأحمر يوصف بالحيوية والدفء، ولا يحمل معنى مخيفًا.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد تظهر هذه الصورة حين يتطلع الإنسان إلى هدف كبير يبدو بعيدًا عن متناوله. فيحسن أن يقسّم الهدف إلى خطوات صغيرة قريبة، وأن يضع لكل خطوة وقتًا وخطة، وأن يستشير أهل الخبرة. والحلم لا يغني عن السعي، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار مصيري أو يأس أو إفراط في الأمل. فبُعد الثمرة في المنام صورة رمزية قد تفتح باب التأمل لا أكثر. والصبر والمثابرة هما ما يقرّبان المسافة في الواقع.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح الاعتماد عليه في القرارات الكبرى. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يدعو بأن يقرّب له كل خير ويجعل له في كل أمر عاقبة حسنة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ظهر في الحلم يبقى صورة رمزية تحتمل أكثر من وجه. فاللهم يسّر له أمره، واكتب له التوفيق والطمأنينة.
