تتناول هذه الصفحة شعور الهيبة في المنام المتصل بالنبي ﷺ، وتقترب منه بأدب كبير وتحفظ شديد. لا تجزم الصفحة بأن الرائي رأى النبي ﷺ حقيقةً، فالأمر يرجع إلى أهل العلم، ولا يملكه الكاتب ولا الرائي. والهيبة في الحلم أثر شعوري لا يحمل رسالة ولا خبرًا ولا موقفًا. وما يأتي بعد ذلك فهم عام ظني لمعنى الأثر النفسي، والعلم عند الله وحده.
الهيبة في لغة الأحلام ترتبط عادةً بالتعظيم والوقار والإحساس بصغر الإنسان أمام ما يعظّمه. ويرى بعض أهل التعبير أن مشاعر الرهبة اللطيفة في المنام تعكس في الغالب ما في النفس من إجلال لمن تحب، وقد تختلط بالخجل أو الارتباك. وقد يستيقظ الرائي وفي صدره أثر من الوقار دون أن يتذكر تفاصيل. غير أن هذا المعنى العام لا يُجرى على ما يتصل بالنبي ﷺ جريان الرموز المعتادة، فللباب مكانة يوقّرها العلماء. والأولى أن تُقرأ الهيبة شعورًا نفسيًّا مؤدبًا، لا علامة على شيء خارج النفس.
وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه). ومن هنا يحسن أن يستقبل المسلم ما يراه في منامه بهدوء، فلا يهوّن منه ولا يضخّمه. وإن صحب الحلم خوف أو اضطراب فقد ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا (متفق عليه). ولا يُستعمل شيء من ذلك لإثبات أن الرائي رأى النبي ﷺ حقًّا.
ذُكر عن بعض المعبّرين تعظيم هذا الباب والتحري الشديد فيه، وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن ما يتصل بالمقامات الكبيرة يقلّ فيه التفصيل. وقد يقرأ بعض المعبّرين الهيبة في المنام عمومًا على أنها تعظيم وإجلال، وبعضهم يمسك عن التفصيل فيما يتصل بالنبي ﷺ. وتتفاوت الآراء، والمسلك الأسلم عدم الجزم بقراءة واحدة. ويبقى الرجوع إلى أهل العلم الراسخين أولى من الاجتهاد الشخصي. ولا يُبنى على المنام حكم على الرائي ولا على غيره، ولا يُتخذ دليلًا على منزلة أو مكانة.
يتغير الأثر بحسب سياق الحلم، فالهيبة الهادئة المصحوبة بسكينة تختلف في وقعها عن رهبة مصحوبة بخوف أو ارتباك. وقد يكون الأبرز بعد الاستيقاظ هو الإحساس لا الصورة، كخشوع أو وقار أو رغبة في السكوت. ولا يُضاف إلى الحلم سبب للهيبة أو مشهد لم يظهر فيه، فالنفس تميل بعد الاستيقاظ إلى تعليل ما شعرت به. والأمانة أن يقتصر الرائي على ما بقي في صدره كما هو.
يختلف الرائي في حاله، فمن كان شديد التعظيم والأدب قد تظهر الهيبة في منامه أوضح، ومن كان قليل الاطلاع على سيرة نبيه ﷺ قد تأتيه بصورة مختلفة. وقد يكون الرائي صغيرًا أو كبيرًا، رجلًا أو امرأة، وكلهم تتشكل مشاعر منامهم من مخزونهم. ولا يتخذ أحد من الهيبة دليلًا على منزلة له أو على أمر غيبي، فذلك كله مما لا يُعلم. وكل رائٍ مسؤول فقط عن حسن الأدب مع ما شعر به.
من التفاصيل التي قد يتذكرها الرائي شدة الهيبة وهدوءها، وهل صحبها سكون أو صمت أو دعاء. وهذه كلها مشاعر وصور رمزية، ولا يُنسب إلى النبي ﷺ فيها كلام ولا توجيه ولا طلب ولا معنى. وإن بقي في النفس سؤال فيُعرض على عالم ثقة بعيدًا عن المجالس العامة. ولا يحسن أن تتحول الهيبة إلى مفاخرة أو إلى مادة للحديث المتكرر، فهي بين الرائي وربه.
من الناحية النفسية والعملية، قد يعكس الحلم أثر إجلال عميق يسكن القلب ويظهر في النوم كما يظهر في اليقظة. وليس الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ولا يُبنى عليه قرار في عمل أو علاقة أو عبادة، فقد ذكر أهل العلم أن المنام لا يؤخذ منه تشريع. وإن صحب الهيبة خوف شديد أو قلق مستمر أو اضطراب في النوم فليتكلم الرائي مع مختص أو مع أحد أهله. وللسكينة في اليقظة أسباب معروفة كالذكر وصحبة صالحة وانتظام النوم.
وقد يتذكر المسلم عند هذا الحلم أن تعظيم النبي ﷺ يظهر في اليقظة بالاتباع وحسن الخلق وكثرة الصلاة عليه، وهو باب مفتوح لكل أحد. ومن لم يرَ شيئًا في منامه فلا ينقصه ذلك، ومن رأى فلا يرتفع على غيره. فالمنام صورة داخلية تمرّ، والعمل بالمعروف هو الباقي. وفي الإكثار من الصلاة والسلام عليه ﷺ أنس يغني عن تتبع تفاصيل الأحلام، ومن أراد الاستزادة فليقرأ من سيرته ما يعرّفه بخلقه ورحمته بالناس.
هذا كله اجتهاد بشري ظني لا يحيط بالغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله. وحسن الظن بالله يشمل أن يترك العبد ما لا يعلمه لأهله. فليدعُ الرائي ربه بالسكينة وصلاح القلب وحسن الأدب. والله أعلم.
