قد يرى النائم نفسه في منامه وهو يحاول أن يقتدي بالنبي ﷺ في خلق أو سلوك، فيستيقظ وفي نفسه رغبة في أن يكون أحسن حالًا. وهذا المنام يدور حول صورة الرائي لنفسه، لا حول مشهد خارجي، ولذلك فهو أقرب إلى المرآة الداخلية منه إلى الرمز البعيد. والرؤيا هنا لا يُجزم بمعناها ولا يُقضى بها على أحد. وما يلي تأمل عام يترك القول الفصل لأهل العلم.
رؤية الإنسان نفسه في المنام تعكس عند المعبرين في الجملة ما يطمح إليه أو ما يخشاه أو ما يشغل تفكيره. فإذا رأى نفسه يقتدي بالنبي ﷺ فقد يُقرأ المنام على أنه تعبير عن رغبة صادقة في تحسين الخلق والتشبه بالخير. وقد يكون أثرًا لقراءة السيرة أو لحديث سمعه عن الأخلاق. وهذا كله احتمال لا يدل على منزلة الرائي ولا على حاله عند الله، فذلك من الغيب.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة القلم، الآية 4). وهذه الآية خطاب عام يشير إلى عظمة الخلق النبوي، وهي تُقرأ في سياق اليقظة والسلوك. ولا تُجعل تفسيرًا لهذا الحلم ولا شهادة للرائي بشيء. وفي ذكرها ما يلفت إلى أن الاقتداء الحقيقي يظهر في معاملة الناس وحسن الصبر والرحمة. ولا يُقال إن من رأى في منامه اقتداءً قد بلغه، فالاقتداء طريق يمضي فيه الإنسان بقية عمره بالمحاولة والاستغفار.
جاء في كتب التعبير المتداولة أن رؤية الإنسان نفسه على حال طيبة تُحمل على ما في قلبه من ميل إلى الخير، دون جزم. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن أحوال الرائي في المنام تعكس ما في نفسه، فتُفسَّر بحسب الشعور الذي يصاحبها. ويختلف المعبرون في هذه التقديرات، فلا يُعدّ قول منهم قاعدة ثابتة. ولا يُبنى على ذلك مدح للرائي ولا تزكية له.
وللسياق أثر كبير في فهم المنام، فمن كان يقرأ في السيرة أو يتأمل في خلق أحد من الصالحين أو يحاول أن يحسّن من معاملته لأسرته، فالأقرب أن الحلم صدى لذلك. ومن كان يمر بخلاف مع أحد فقد يظهر الاقتداء في منامه كأنه رغبة في الصفح والهدوء. وإذا لم يكن في أيامه ما يفسر ذلك فقد يكون مجرد خاطر جميل. ولا يُبنى على الحلم عمل ولا قرار. وقد يكون المنام مجرد ثمرة لشعور بالتقصير أو برغبة في المراجعة، وهذا شعور إنساني مألوف لا يحتاج إلى ما يزيد عليه.
وتختلف دلالة الحلم باختلاف الرائي. فالموظف قد يرى اقتداءه في تعامله مع زملائه، والأم في صبرها على أولادها، والمعلم في رفقه بطلابه، والتاجر في صدقه مع الناس. وكبير السن قد يستعيد في منامه ما تعلمه من أهله، والشاب قد يعبّر الحلم عن شوقه إلى أن يصير إنسانًا أفضل. وكل ذلك قراءة عامة لا تحيط بالنفوس. ومن كان في بداية مسؤولية جديدة في عمل أو أسرة قد يعبّر الحلم عنده عن همّه بأن يؤدي ما عليه خير أداء.
وتفاصيل الحلم من موضع الاقتداء ومن حضر وكيف جرى لا تدل على شيء محدد. وقد يصحب المشهد إحساس بالرضا أو بالحياء، وهو أثر نفسي يُفهم في العموم على أنه ميل إلى الخير. ولا يُعدّ الحلم شهادة بحسن الحال ولا علامة على شيء، فهذا من الغيب. والمنام لا يؤخذ منه تشريع ولا يُبنى عليه عمل أو قرار، والأدب أن يصلّي الرائي على النبي ﷺ ويسأل الله التوفيق. ولا يحسن أن يتحدث الرائي بمنامه ليُظهر حاله أو يطلب مدح الناس، فالحياء في هذا الباب أولى.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم فرصة لأن يتأمل الإنسان خلقًا واحدًا يريد أن يحسّنه في يومه، كالصبر أو الصدق أو الإحسان إلى الأهل. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية ولا يغني عن رأي مختص. فمن كان يشعر بإحباط متكرر من نفسه أو قلق مستمر فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله ممن يثق بهم. والأحلام لا تقيس حال الإنسان، وإنما هي صور تمر بالنفس. وإذا وجد الرائي في نفسه ميلًا إلى جلد الذات أو إلى المقارنة المرهقة بين حاله وما يقرأ عن السيرة، فليتحدث بذلك مع من يثق بهم، فالرفق بالنفس من الأدب.
وورد في الحديث الصحيح المتفق عليه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وأن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان. ومن آداب الرؤى أن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب، وأن من رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا. وفي هذا الأدب حفظ للرائي من الإعجاب بنفسه ومن الوسوسة معًا. ويبقى الرجوع إلى أهل العلم عند الحاجة أسلم.
وفي الختام فهذه القراءة اجتهاد بشري ظني، لا يجزم بمعنى ولا يعد بشيء ولا يشهد لأحد بشيء. والغيب لا يعلمه إلا الله، وحسن الظن به سبحانه هو الأصل. ويُسأل الله أن يصلح حال كل رائٍ ويحسّن خلقه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
