حين يذكر مريض أنه رأى النبي ﷺ في المنام، فإن الكلام في هذا الباب يحتاج إلى رفق في العبارة وتأدب وبعد عن الجزم. فالرؤيا لا تخبر عن حال المرض ولا عن مساره، ولا تحمل وعدًا ولا إنذارًا، وإنما هي مشهد منامي يُتأمل برفق. وتقدير حقيقة الرؤى الخاصة مرده إلى أهل العلم. وما يلي تأمل رمزي عام لا يغني عن الطبيب ولا عن العلاج، ولا يقول شيئًا عن الأيام القادمة.
تختلف أقوال المعبّرين في هذا الباب، ولا يُجرى قول منها على رؤيا بعينها. وقد يكون في منام المريض صدى لحاجة النفس في أوقات التعب إلى الأمان والتسلية والمعنى الذي يسند القلب. ويرى بعض المعبرين أن ما يشتاق إليه الإنسان في يقظته قد يظهر في منامه بصور شتى. وهذا كله احتمال وليس قطعًا، فقد يكون الحلم أثرًا لما سمعه المريض أو ردده أو فكر فيه في ساعات الراحة الطويلة.
ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم قوله ﷺ: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي». وقد وضع أهل العلم لهذا الحديث شروطًا وتفصيلات، ومرجع تقديرها إليهم، ولا يُنزَّل على كل رائٍ بمجرد قوله. وقرروا أن المنام لا يؤخذ منه تشريع، ولا يُبنى عليه عمل أو قرار، ومن ذلك قرارات العلاج والدواء والمتابعة الطبية. فالقرار الصحي مكانه الطبيب المختص في اليقظة وليس الأحلام.
ذكر بعض المعبّرين أن الرؤيا تُقرأ بحسب حال صاحبها، وأن الصورة الواحدة تختلف دلالتها من شخص إلى آخر. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى ما يقارب هذا من مراعاة الأحوال. ويختلف المعبرون اختلافًا واسعًا، فلا يصلح عرض قول منهم على أنه نهائي. وهذه الأقوال اجتهادات بشرية ظنية، ولا يُبنى عليها أمل زائد ولا خوف، ولا يُربط بها شيء من أمر الصحة.
أثر السياق على المريض كبير، فالتعب والألم والانتظار وطول الأيام على الفراش كلها تؤثر في النوم وفي صور الأحلام. وقد تحمل المنامات صدى لما يدور في القلب من رغبة في الراحة والسكينة. وليس في هذا إخبار عن تحسن أو تراجع، فذلك كله من علم الله وحده. والحلم لا يُعدّ مؤشرًا طبيًا بأي وجه، ولا يُقاس عليه شيء.
وتتفاوت أحوال المرضى الرائين، فمنهم من يعاني عارضًا بسيطًا ومنهم من يطول به الأمر ومنهم من يرافق قريبًا له في مرضه. ولا يفضّل الحلم أحدًا على أحد، ولا يدل على مرتبة أو على قبول عمل، فهذا لا يعلمه إلا الله. ومن الأدب أن يبتعد المريض مقارنة نفسه بغيره بسبب رؤيا. ويكفيه أن يشكر الله على ما يجد من أثر طيب في نفسه.
أما تفاصيل المنام فلا يُبالغ في استنطاقها، فالدواء والتعب وقلة الحركة قد تغيّر الذاكرة وتختلط فيها الصور. ولا ينبغي وصف هيئة أحد في هذا الباب ولا نقل كلام منسوب إليه. والشعور الباقي من هدوء أو هيبة أو دمعة أقرب إلى النفع من تتبع التفاصيل. فليحتفظ الرائي بهذا الأثر وليكثر من الدعاء والصلاة على النبي ﷺ بقدر ما تطيق نفسه.
ومن الجانب العملي، يحسن أن يتخذ المريض من هدوء ساعة التعب سبيلًا إلى ذكر الله والدعاء وصلة الأهل، فهذه أبواب مفتوحة ولو قلّ النشاط. ويكفي المسلم أن يحسن الأدب مع ما رأى، وأن يترك التفصيل في هذا الباب لأهل العلم. فصلة المسلم بنبيه ﷺ تُبنى في اليقظة على المحبة والاتباع وحسن الخلق وكثرة الصلاة والسلام عليه. وليس هذا الكلام نصيحة طبية، فالتشخيص والعلاج للأطباء، ومن اشتد عليه الحزن أو القلق فليحدّث مختصًا أو أحد أهله الثقات.
ومن حسن الأدب ألا يتحول الحلم إلى سبب لإهمال المتابعة أو لتأجيلها، ولا إلى سبب لقلق جديد. فالأخذ بالأسباب المعروفة من مراجعة الطبيب والتزام الإرشادات الطبية أمر مطلوب في اليقظة، والرؤيا لا تغيّر ذلك. ويمكن لأهل المريض أن يقفوا معه بالكلمة الطيبة والصحبة الهادئة. وهذه معانٍ تؤنس القلب أكثر من تتبع المنامات.
ومما يحسن التنويه إليه أن كثرة الأدوية وطول الاستلقاء وقلة الحركة قد تغير طبيعة النوم وتجعل الأحلام أوضح أو أكثر تكرارًا من المعتاد. وقد عرف أهل العلم بالرؤى أن حال البدن تؤثر في المنام تأثيرًا ظاهرًا. فلا ينبغي أن يُحمَّل كل منام ما لا يحتمل، ولا أن يُفتح باب القلق بسببه. والأقرب إلى السكينة أن يأخذ المريض بما أرشده إليه الطبيب، وأن يكثر من الدعاء، وأن يترك الرؤيا في موضعها.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. فلا يُجزم بمعنى ولا يُعلّق على الرؤيا أمل ولا خوف. ويُسأل الله أن يمنح كل مريض صبرًا وسكينة وحسن ظن به، وأن يلطف بأحواله كلها. ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا، ومن رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب.
