تتناول هذه الصفحة تفصيلة الابتسام كما يذكرها بعض الرائين في منامهم المتصل بالنبي ﷺ، وتقترب منها بأدب وتحفظ كبيرين. لا تجزم الصفحة بأن الرائي رأى النبي ﷺ حقيقةً، فالأمر مرده لأهل العلم، ولا يملكه الكاتب ولا الرائي نفسه. والابتسامة في الحلم مشهد رمزي، لا يُؤخذ منه كلام ولا خبر ولا موقف. وكل ما يُذكر هنا قراءة عامة ظنية لمعنى الأثر النفسي، والعلم عند الله.
الابتسامة في لغة الأحلام تُقرن عادةً بالانفتاح والسكينة وخفة الصدر. ويرى بعض أهل التعبير أن المشهد الذي يغلب عليه الأنس يعكس في الغالب حالة نفسية قريبة من الطمأنينة عند الرائي. غير أن هذا المعنى العام لا يُنزَّل على صورة النبي ﷺ تنزيل الأمور العادية، لأن للباب خصوصية يعظّمها أهل العلم. فالأقرب أن تُقرأ التفصيلة كأثر داخلي هادئ، لا كإشارة إلى موقف أو رأي في أحد. ومن الأدب ألا تُزاد على المشهد تفاصيل لم تظهر فيه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة القلم، الآية 4)، وفي الآية ما يذكّر بعظمة الخلق في شأنه ﷺ. وفي هذا ما يوجّه المسلم إلى أن المعاني السامية في سيرته أولى بالتأمل من تفاصيل المنام. وأما في شأن الرؤى عمومًا فورد في الحديث الصحيح بمعناه أن الرؤيا من الله والحلم من الشيطان (متفق عليه)، ومن هنا يُحسن أن تُستقبل الرؤى بهدوء وتروٍّ. ولا تُستعمل الآية ولا الحديث لإثبات أن الرائي رأى النبي ﷺ حقًّا، فذلك لأهل العلم.
ذُكر عن بعض المعبّرين التعظيم الشديد لهذا الباب والتحري في السؤال، وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى التحفظ في تأويل ما يتصل بالمقامات الكبيرة. ويختلف المعبّرون، فمنهم من يميل إلى السكوت ومنهم من يكتفي بالمعاني العامة. ولا يحسن الجزم بعبارة محددة دون الرجوع إلى كتب أهل العلم وأهل الاختصاص. وفي هذا الاختلاف سعة للأدب لا ضيق فيها.
يتغير الأثر بحسب السياق، فالابتسام في مشهد صافٍ هادئ يختلف في وقعه عن مشهد مضطرب تتداخل فيه الأصوات والوجوه. وقد يكون الشعور الذي صاحب الرؤيا أبرز من أي تفصيلة، كالفرح الخفيف أو الدهشة أو الخجل. وما ينبغي أن يُسأل عنه الرائي بعد الاستيقاظ هو ما بقي في صدره، لا ما تخيله بعد ذلك. فالتخيل اللاحق يضيف إلى الحلم ما ليس فيه.
وتختلف الرؤيا باختلاف حال الرائي، فمن اعتاد قراءة السيرة قد تُلوّن ما يقرؤه صور منامه، ومن كان في فترة ضيق قد يميل قلبه إلى مشاهد الأنس. ولا ينبغي أن يتخذ الرائي من الابتسامة موقفًا أو رأيًا في أحد، ولا دليلًا على شيء يخص عمله أو حاله. وقد يكون الرائي صغيرًا يتعلم أو كبيرًا يراجع ما حفظ، وكلاهما يرى ما رتبه عقله في يقظته. وكل ذلك يبقى في دائرة الظن لا اليقين.
من تفاصيل الحلم التي تستحق التوقف حدود الابتسامة في المشهد: هل كانت عابرة أم ممتدة، وهل صحبها صمت أم صوت. غير أن هذه التفاصيل لا تتحول إلى رسائل ولا يُنسب إلى النبي ﷺ فيها كلام أو توجيه، فذلك كله خارج ما يمكن الجزم به. وإن أشكل شيء على الرائي فليعرضه على عالم موثوق بعيدًا عن المجالس العامة. وليحذر أن يزيد على ما رأى أو يُجمّله للناس.
من الناحية العملية والنفسية، قد تعكس مثل هذه الرؤيا حاجة النفس إلى الأنس والسكينة بعد يوم ثقيل. ولا يُعد الحلم نصيحة طبية أو نفسية، ولا يُبنى عليه قرار ولا تغيير في عمل أو علاقة، فقد ذكر أهل العلم أن المنام لا يُؤخذ منه تشريع. وإن لازم الرائي قلق مستمر أو أرق، فالكلام مع مختص أو أحد الأهل خير له. ويكفيه أن يقبل على يومه بهدوء وأدب.
ومما يحسن التذكير به أن الحلم لا يُستعمل للمقارنة بين الناس ولا للتفاخر ولا للدعاية، فهو أمانة بين الرائي وربه. ومن لم يرَ مثل هذه الصورة فلا نقص في ذلك، فالصلة بالنبي ﷺ تُنال بالمحبة والاتباع في اليقظة. وكثرة الصلاة عليه ﷺ من أجمل ما يزيد القلب سكينة. ويبقى الحلم رمزًا ظنيًّا لا يرقى إلى أن يكون خبرًا. ولذلك يحسن بالرائي ألا يطيل التفكير في تفصيلة واحدة حتى تُثقل عليه، وأن يرجع إلى أمر يقظته من صلاة وعمل وصلة رحم. فالسكينة تأتي من الاستقامة على الخير في اليقظة أكثر مما تأتي من تتبع صور المنام، وفي ذلك راحة للقلب وبعد عن التكلف.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو بالسكينة وصلاح القلب. وليترك التفصيل لأهل العلم، وليحفظ لسانه عن الجزم. والله أعلم.
