إذا ذكر إنسان أنه استيقظ مبتسمًا بعد حلم ذُكر فيه النبي ﷺ، فإن الأدب يقتضي أن يُنظر إلى ذلك بهدوء وتعظيم وبعيدًا عن الجزم. فابتسامة الرائي أمر يعود إلى حاله هو، ولا تُعدّ دليلًا على شيء ولا إخبارًا بما سيأتي. وتقدير حقيقة الرؤى الخاصة يرجع إلى أهل العلم. وما يلي تأمل رمزي عام لا يبني على الحلم قرارًا أو عملًا، ولا يصف هيئة أحد.
من المعروف أن النفس إذا ارتاحت في المنام انعكس ذلك على الجسد في اليقظة، فقد يستيقظ الإنسان مبتسمًا أو باكيًا أو هادئًا. وهذا من طبيعة تفاعل المشاعر مع الأحلام، فللمشاعر المنامية امتداد قصير في اليقظة. ويرى بعض المعبرين أن الابتسامة بعد الحلم قد تعكس انشراحًا أو أنسًا أو شوقًا إلى الخير. وهذا من باب الاحتمال، ولا يُقال إنها تدل على أمر محدد.
ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم قوله ﷺ: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي». وقد بيّن أهل العلم أن لفهمه شروطًا وتفصيلات، ومرجع تقديرها إليهم، ولا يُنزَّل على كل من قال إنه رأى النبي ﷺ. وقرروا أن المنام لا يؤخذ منه تشريع، ولا يُبنى عليه عمل أو قرار. فالابتسامة بعد الحلم لا تحوّله إلى خبر يُعتمد عليه.
وورد في الحديث المتفق عليه بمعناه أن الكلمة الطيبة صدقة. وفي هذا معنى عام يناسب هذا الباب، فالابتسامة والكلمة الطيبة من أخلاق التعامل التي تُطلب في اليقظة مع الأهل والناس. وليس هذا الحديث تفسيرًا للحلم ولا إسقاطًا على حال الرائي. ويكفي منه أن يذكّر بقيمة حسن الخلق في يوم جديد، سواء رأى المرء رؤيا أم لم يرَ.
ذكر بعض المعبّرين أن الرؤيا تتأثر بحال صاحبها وسياقها، وأن الرمز الواحد يتعدد معناه. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى مراعاة الأحوال قبل التأويل. ويختلف المعبرون اختلافًا واسعًا، فلا يُعرض قول منهم على أنه قاطع. وهذه الأقوال اجتهادات بشرية ظنية تقبل الصواب والخطأ. أثر السياق على هذا الشعور ظاهر، فمن نام بعد يوم طيب أو بعد لقاء أحبته قد يستيقظ منشرحًا بغض النظر عن مضمون الحلم. ومن كان قلبه معلقًا بذكر الخير والسيرة قد تتلوّن أحلامه بالأنس. وليس في هذا إخبار عن حدث ولا عن حال قادمة، فكل ذلك من علم الله وحده. والحلم والابتسامة معًا انعكاس نفسي محتمل لا أكثر.
وتتنوع أحوال الرائين، فمنهم من يبتسم ثم تزول ابتسامته سريعًا، ومنهم من يبقى معه الانشراح يومه كله، ومنهم من يستيقظ باكيًا من أثر الهيبة. ولا يدل أي من ذلك على مرتبة الرائي ولا على قبول عمله، فهذا لا يعلمه إلا الله. ومن الأدب ألا يتخذ الرائي حلمه وسيلة للتفاخر. ويكفيه أن يشكر الله على ما وجد في نفسه من أثر طيب.
أما تفاصيل المشهد فلا يُبالغ في استنطاقها، ولا ينبغي وصف هيئة أحد في هذا الباب ولا ملامحه ولا نقل كلام منسوب إليه، فهو باب يُحتاط فيه غاية الاحتياط. والذاكرة بعد الاستيقاظ تنسى كثيرًا وتزيد فيما تتذكر. وما بقي من الشعور أنفع من تتبع الصور. فليحتفظ به الرائي وليصلِّ على النبي ﷺ وليدعُ بالخير.
ومن الجانب العملي، يمكن أن يتحول الأثر الطيب إلى بشاشة مع الأهل وكلمة لطيفة مع الجيران وزملاء العمل وصبر على من يخالفه. وليس هذا الكلام نصيحة طبية أو نفسية، فمن كان انشراحه الشديد أو تقلب مشاعره مصحوبًا بأرق أو اضطراب مستمر فليتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات. والاعتدال في المشاعر كلها أحسن، فلا يتبع الإنسان المنام في فرحه ولا في حزنه.
ولا ينبغي أن يُقرأ الحلم المبهج على أنه قبول لعمل أو رضا بحال أو رسالة خفية، فهذا ادعاء لا سند له، والغيب لا يعلمه إلا الله. والأولى أن يبقى الإنسان على ما يعلم من الخير في يقظته، وأن يحسن الظن بربه، وأن يطلب العلم من أهله. وبهذا تبقى الرؤيا بعيدة عن الجدل، ويبقى القلب متصلًا بما ينفعه حقًا في دينه ودنياه.
ومما يحسن التنويه إليه أن الابتسامة في اليقظة قد تأتي لأسباب كثيرة منها تذكر موقف جميل أو الانشراح من نوم مريح أو كلمة طيبة، وأن الحلم قد يكون أحد هذه الأسباب وقد لا يكون. فلا يُحمَّل المنام أكثر مما يحتمل. وإن بقي أثر الانشراح فليكن مناسبة لشكر الله وللإحسان إلى الناس، وليبقَ الحديث عن الرؤيا قليلًا متواضعًا لا مبالغة فيه ولا تفاخر. وفي هذا الأدب كفاية.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. فلا يُجزم بمعنى ولا يُنتظر شيء. ويُسأل الله أن يمنح الرائي سكينة وانشراحًا وحسن ظن به. ومن رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله من شرها ولا يحدّث بها أحدًا.
