رؤية قراءة القرآن في المدرسة في المنام مشهد يجمع بين مكان التعلم وكتاب الله، ولذلك يستوقف الرائي حين يستيقظ ويسأل عن معناه. وهي رؤيا رمزية تحتمل أكثر من وجه، ولا يُبنى عليها قرار ولا يُجزم فيها بشيء. الأحلام تُعيد تركيب ما مرّ بالإنسان من أماكن وذكريات ومشاعر، وللمدرسة في الذاكرة حضور قوي عند كثيرين، سواء كانوا ما زالوا طلابًا أو مرّت بهم سنوات الدراسة منذ زمن بعيد. والكلام الآتي عرض هادئ لما يمكن أن يُفهم من الصورة، لا أكثر. ويحسن أن يُقرأ بقلب مطمئن دون تكلف في الربط بين المنام والواقع.
المدرسة في الرمز مكان للتعلم والتهذيب واكتساب المعرفة، وفيها ينشأ الإنسان على النظام والانتظام. وحين يُقرأ فيها القرآن تتجه الدلالة إلى معاني الطلب والهداية والصلة بكتاب الله وحب العلم. وقد تعبّر الصورة عن شوق إلى بدايات الطريق حين كان القلب صافيًا والتعلم بسيطًا. وقد ترمز إلى رغبة في ترتيب الوقت وجعل القراءة جزءًا من الإيقاع اليومي الثابت. وهذه دلالات عامة يزنها كل رائي بحاله.
وفي القرآن ما يذكّر بقيمة التعلم والتذكر، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (سورة القمر، الآية 17). وهذا النص لا يُنزَّل على حلم محدد، وإنما يُذكر لبيان المعنى العام الذي يدور حوله المشهد، وهو قرب كتاب الله من القلب وسهولة الإقبال عليه. ومن الأحاديث الصحيحة قول النبي ﷺ: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (رواه البخاري). وفي ذلك ما يذكّر بقيمة التعلم والتعليم عمومًا. ويبقى التعبير ظنيًا لا يُستخلص منه شيء جازم.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن ما يتصل بالعلم والكتب يميل في الغالب إلى معاني الخير والصلاح، وأن القراءة تُحمل على الاسترشاد والتذكر. وذهب آخرون منهم إلى معانٍ قريبة تدور حول الفهم وصفاء القلب. وهذا مما جرى تداوله في كتب التعبير، ولا يُجزم بعبارة محددة في كل ما يُذكر في هذا الباب. وقد اختلف المعبّرون في التفصيل، فمنهم من غلّب جانب العلم ومنهم من غلّب جانب السكينة.
يتغير المعنى بتغير السياق الذي جرت فيه القراءة. فإن كانت في فصل هادئ مضيء وزملاء الرائي يصغون فالأقرب أن يعبّر ذلك عن ألفة وصفاء. وإن كانت في ساحة مزدحمة أو بين أصوات متداخلة فقد يعبّر عن انشغال الذهن بأمور كثيرة. وإن كانت في مكتبة المدرسة فقد تميل الدلالة إلى حب الاطلاع والهدوء. ويرجّح شعور الرائي عند الاستيقاظ أيّ هذه الوجوه أقرب إلى حاله.
وللرائي أثر في المعنى. فالطالب قد تعبّر عنده الصورة عن اهتمامه بالدراسة وحاجته إلى سند هادئ، والمعلم قد تعبّر عنده عن رغبة في أن يكون أثره في تلاميذه طيبًا، والأب أو الأم قد تعبّر عندهما عن اهتمام بتعليم الصغار. ومن مرّت به سنوات الدراسة منذ زمن قد تكون الصورة عنده حنينًا إلى مرحلة قديمة. وليس في ذلك تقييم لمستوى أحد ولا مفاضلة بين الناس.
وللتفاصيل أثر في الفهم. فالسبورة والمقاعد المرتبة توحي بالنظام، وصوت الجرس قد يعبّر عن انتقال الذهن بين الانشغالات، وتحوّل المدرسة أثناء الحلم إلى مكان آخر دليل على تداخل الصور لا غير. وإذا كان الرائي يقرأ ثم يجلس بهدوء فهو أقرب إلى معنى الاتزان. وكل ذلك احتمالات لا قطع فيها، يتأملها الرائي بقدر ما توافق شعوره.
ومن الناحية النفسية قد يعكس المشهد حنينًا إلى زمن التعلم، أو رغبة في بداية طريق جديد من العلم، أو ضغطًا دراسيًا يبحث معه الرائي عن طمأنينة. ويمكن أن يتأمل الرائي: هل يجد في أيامه فسحة هادئة؟ وهذه أسئلة ذاتية لا تُفرض عليه. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإذا رافق المرء قلق مستمر من الدراسة أو غيرها فمن الحسن أن يتحدث إلى مختص أو إلى أحد أهله الذين يثق بهم.
ومن الأدب ألا تُستخرج من الرؤيا نتائج دراسية أو توقعات عن مسار التعلم، فالدراسة تقوم على الاجتهاد والتنظيم وطلب العون من المعلمين. ومن الأدب مع الرؤيا الطيبة أن يستقبلها الرائي بالشكر والهدوء، وألا يبني عليها أكثر مما تحتمل. وللرائي أن يكتم رؤياه أو يحدّث بها قريبًا يطمئن إليه. والأمر في ذلك واسع، ويكفي أن يأخذ منها المعنى الهادئ ويمضي إلى يومه.
وخلاصة القول أن قراءة القرآن في المدرسة في المنام تحمل في عمومها معاني حب العلم والانتظام والصلة بكتاب الله والسكينة. وكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعوه بصلاح الحال وطمأنينة القلب. ثم يمضي إلى دراسته وعمله بنفس مرتاحة. وفي ذكر الله راحة وسط كل مشغلة.
