قد يرى النائم أنه يدخل مكتبة أو متجرًا ويشتري مصحفًا، فيتأمل الأغلفة ويختار واحدًا منها ويدفع ثمنه ثم يخرج به مسرورًا. وهذه صورة مألوفة من مشاهد اليوم تتسلل إلى المنام بهيئة هادئة. وهي صورة رمزية لا يُبنى عليها جزم ولا قرار، وكل ما يقال في تعبيرها اجتهاد قابل للخطأ يختلف باختلاف حال الرائي وما يمر به. والمعنى الأقرب هو الرغبة في اقتناء ما يؤنس ويطمئن.
الشراء في الرموز يعبّر عادة عن الاختيار والسعي إلى اكتساب شيء يُراد الاحتفاظ به، والمصحف يرتبط في الأذهان بالطمأنينة والهداية والصلة بكتاب الله والانتظام والسكينة والعلم. فإذا اجتمع الأمران في صورة واحدة دلّ ذلك في الجملة على ميل إلى الاقتراب من هذه المعاني، وإلى حاجة داخلية إلى ركن هادئ في الحياة. وهو معنى عام يشبه الاهتمام بترتيب البيت أو اقتناء كتاب نافع، وليس خبرًا عن شيء محدد.
قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ (سورة طه، الآية 114). وفي هذه الآية ما يذكّر بقيمة طلب العلم والاستزادة منه في حياة الإنسان. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا لمشهد الشراء ولا تقريرًا لحال الرائي. فالمتجر والثمن والغلاف صور ذهنية، والآية تبقى في موضعها من التذكير بجمال الاستزادة من العلم النافع في اليقظة.
ذكر بعض المعبّرين أن الشراء في المنام يُنظر فيه إلى معنى الاختيار والسعي وطلب الشيء، ولا يُجزم بصحة كل تفصيل منه. وذهب آخرون منهم إلى أن ما يتصل بكتاب الله يُحمل على الخير والأنس في الجملة. وتختلف أقوال المعبّرين في هذه الصور اختلافًا واسعًا، والأولى أن تؤخذ إشارات عامة لا قاعدة ثابتة، وأن يترك الرائي لنفسه تقدير ما يوافق حاله دون تكلف.
يتغير المعنى بالسياق. فإن كان الشراء من مكتبة كبيرة هادئة، مال المعنى إلى الرغبة في التروي والاختيار بعناية. وإن كان من بسطة في سوق مزدحم، فقد تعكس الصورة ازدحام الأيام وكثرة المشاغل. وإن كان الرائي يتردد بين أكثر من مصحف، فقد يعبّر ذلك عن تردد عام في اختيارات أخرى. وإن اشترى مصحفًا ليهديه لغيره، مال المعنى إلى المودة والاهتمام بمن حوله.
للطالب قد يمثّل الشراء رغبة في التنظيم والاستعداد لموسم دراسي جديد. وللموظف قد يعكس شوقًا إلى مساحة هادئة وسط ضغط العمل. ولربة البيت قد يرمز إلى الاهتمام بترتيب البيت وإضفاء هدوء عليه. وللكبير في السن قد يمثّل حنينًا إلى عادات قديمة مألوفة. وللقادم إلى مكان جديد قد يعبّر عن رغبة في اقتناء شيء مألوف يؤنسه. فالرمز واحد، لكن لكل رائٍ فيه قراءة تناسب ظروفه.
ومن التفاصيل ما يتعلق بالمشهد: كم كان الثمن؟ وهل كان البائع يعرفه؟ وهل كان الغلاف مزخرفًا أم بسيطًا؟ وكل هذه صور يصنعها الذهن من مخزون المشاهد اليومية، وليس لها معنى مستقل أو رسالة. ولا يُربط البائع أو المكان بحدث أو بحال لأحد، ولا يُظن أن من ظهر في الحلم حضر حقًا، فهي صور ذهنية. والاكتفاء بالمعنى العام الوجداني أسلم وأهدأ للنفس.
من الجهة النفسية، قد يعبّر الحلم عن رغبة الرائي في تنظيم وقته وفي خلق مساحة هادئة لنفسه. ويفيد في ذلك أن يخصص وقتًا قصيرًا ثابتًا لما يريحه، وأن يبدأ بخطوة صغيرة يمكن المداومة عليها. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده القلق أو الضيق فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله ممن يثق بهم. والأحلام لا تغني عن ذلك.
وقد يعود المشهد ببساطة إلى زيارة قريبة لمتجر أو مكتبة، أو إلى حديث عابر عن كتاب، أو إلى إعلان مرّ بالرائي في يومه، فالذهن يخلط صور النهار بصور النوم دون ترتيب. وهذا التفسير الذهني البسيط هو الأقرب غالبًا، ولا يحتاج إلى توسع ولا يترتب عليه شيء بعد الاستيقاظ. ويمكن للرائي أن يمضي في يومه بطمأنينة دون أن يشغل نفسه بتفاصيل الثمن والمكان. والذهن في النوم يجمع الصور المتباعدة في مشهد واحد دون منطق ثابت، فلا يلزم أن يكون لكل تفصيل فيه معنى خاص، ولا أن يُفتَّش عن دلالة وراء كل لون أو شكل أو صوت. وكلما خفّ التكلف في قراءة الحلم كان ذلك أريح للنفس وأقرب إلى الصواب.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله بالسكينة والتوفيق وصلاح الحال. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تحتمل أوجهًا متعددة وقد لا تحمل معنى على الإطلاق، ولذلك لا تُبنى على الصور قرارات في اليقظة. والله أعلم.
