قد يرى النائم أنه يحمل مصحفًا بين يديه ويمشي به أو يقف، وكأنه يرافقه أو ينقله من مكان إلى آخر. وهذه صورة مألوفة هادئة، تشبه ما يفعله كثيرون في أيامهم العادية. وهي صورة رمزية لا يُبنى عليها جزم ولا قرار، وكل ما يقال في تعبيرها اجتهاد قابل للخطأ ويختلف بحسب حال الرائي. والمعنى الأقرب هنا هو المرافقة والاعتناء والقرب.
حمل المصحف في الرموز يوحي بأن الإنسان يصطحب معه ما يطمئنه ويثبّته، فالشيء الذي يُحمل يكون قريبًا من القلب واليد. وقد يعبّر عن رغبة الرائي في أن تكون صلته بكتاب الله ملازمة لأيامه، لا تنقطع بانقطاع المكان أو الظرف. وقد يرمز كذلك إلى تحمّل الأمانة بمعناها العام وحسن العناية بما بين اليدين. والقراءة في الرموز ترتبط بالطمأنينة والهداية والصلة بكتاب الله والانتظام والسكينة والعلم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ (سورة الإسراء، الآية 9). وفي هذه الآية ما يذكّر بمعنى الاهتداء الذي يرافق الإنسان في طريقه وفي تنقلاته. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا لحمل المصحف الذي رآه النائم ولا تقريرًا لحاله. فالحمل في الحلم صورة ذهنية، والآية تبقى في موضعها من التذكير بقيمة الهداية في اليقظة.
ذكر بعض المعبّرين أن حمل الكتب في المنام يُنظر فيه إلى ما يتحمله الإنسان من أمانة أو علم أو مسؤولية بحسب حاله، ولا يُجزم بصحة كل تفصيل منه. وذهب آخرون منهم إلى أن ما يتصل بكتاب الله يُحمل على الخير والعناية في الجملة. وتختلف أقوال المعبّرين في هذه الصور، والأولى أن تؤخذ إشارات عامة لا قاعدة ثابتة ولا وعدًا بشيء.
يتغير المعنى بالسياق. فإن كان الرائي يحمل المصحف بخفة وهدوء، مال المعنى إلى الأنس والمرافقة. وإن كان يحمله وهو مسرع، فقد يعبّر عن مشغولية وكثرة تنقل في يقظته. وإن كان يحمله إلى مكان محدد كمسجد أو بيت، فقد تعكس الصورة رغبة في الوصول إلى مكان هادئ. وإن كان يحمله لشخص آخر، فقد يرمز إلى رغبة في مشاركة ما يحب مع من حوله.
للطالب قد يمثّل حمل المصحف رفقة خفيفة في أيام الدراسة. وللموظف قد يعكس شوقًا إلى هدوء يرافقه في طريقه إلى عمله. ولربة البيت قد يرمز إلى مسؤولية العناية بالبيت وبمن فيه. وللمتنقل كثيرًا قد يعبّر عن طمأنينة تصحب تنقلاته. وللكبير في السن قد يمثّل رفقة قديمة لا يفارقها. فالرمز واحد، لكن لكل رائٍ فيه قراءة تناسب ظرفه.
ومن التفاصيل ما يتعلق بهيئة الحمل: هل كان بيد واحدة أم بيدين؟ هل كان في حقيبة أم في اليد؟ هل كان المصحف ثقيلًا أم خفيفًا؟ وكل هذه صور يصنعها الذهن من مخزون المشاهد، وليس لها معنى مستقل أو رسالة. ولا يُربط الثقل أو الخفة بحدث أو بنتيجة، فهي صور ذهنية لا تتجاوز دلالتها العامة. والاكتفاء بالمعنى العام أسلم وأهدأ.
من الجهة النفسية، قد يعبّر الحلم عن حاجة الرائي إلى شيء ثابت يطمئنه في تنقلاته وتغيراته، وعن رغبة في أن يجعل لنفسه نقطة هدوء يعود إليها. ويفيد في ذلك أن يحتفظ بعادة صغيرة منتظمة تناسب يومه. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده القلق أو الضيق فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله ممن يثق بهم. والأحلام لا تغني عن ذلك.
وقد يُنظر إلى الصورة من باب العناية، فمن يحمل شيئًا عزيزًا يمشي به بتأنٍّ ويحرص عليه. وفي هذا معنى عام عن الانتباه إلى ما هو ثمين في الحياة ومنحه حقه من الرعاية. وهو معنى رمزي لا يحمل بشارة ولا تحذيرًا، ولا يخص رائيًا بذاته. ويبقى للرائي أن يأخذ منه ما يطمئنه ثم يمضي في يومه، فهذه الأحلام في الغالب صور هدوء وأنس. وقد يعود المشهد ببساطة إلى ما رآه الرائي في يقظته من أشخاص يحملون المصاحف في طريقهم إلى المسجد أو إلى حلقات القراءة، فبقيت الصورة في ذاكرته وأعاد الذهن عرضها. وهذا التفسير الذهني البسيط كثيرًا ما يكون الأقرب، ويخفف عن الرائي الحاجة إلى البحث عن دلالات بعيدة. وفي كل حال فالمنام لا يُقاس به حال الإنسان مع كتاب الله، ولا يُنتظر منه أن يكشف شيئًا لا يُعرف في اليقظة. ويكفي الرائي أن يستقبل المشهد بسكينة وأن يشكر الله على ما يسّره له من أنس بكتابه.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله بالسكينة والتوفيق وصلاح الحال. ومن الأدب مع الرؤيا الطيبة أن يستقبلها الرائي بالشكر والهدوء، وألا يبني عليها أكثر مما تحتمل. والله أعلم.
