قد يرى الإنسان في منامه مصحفًا مغلقًا موضوعًا في مكانه، لا يُفتح ولا يُقرأ. وهذه صورة بسيطة يحملها الذهن أحيانًا من مشاهد اليقظة، وليس فيها ما يدعو إلى القلق ولا إلى لوم النفس. والرؤيا عمومًا تأمل رمزي لا يُبنى عليه جزم ولا قرار، وما يقال في تعبيرها اجتهاد يحتمل الخطأ. والمعنى الأقرب هنا هو الوقفة والانتظار وترتيب الوقت.
المصحف المغلق في الرموز يشبه كتابًا يُحفظ في مكانه بانتظار الوقت المناسب، فهو يوحي بالسكون والاحتفاظ لا بالإهمال. وقد يعبّر عن مرحلة من الحياة تنشغل فيها النفس بأمور أخرى، ثم تعود إلى ما تحب. وقد يرمز كذلك إلى الحفظ والصون، فالكتاب المغلق محفوظ من الغبار. والقراءة في الرموز ترتبط بالطمأنينة والهداية والصلة بكتاب الله والانتظام والسكينة والعلم، فالمشهد يعبّر عن صلة قائمة وإن لم تكن ظاهرة في ذلك الوقت.
ورد في الحديث المتفق عليه أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. وفي هذا المعنى ما يذكّر بقيمة الانتظام وإن قلّ المقدار، وبأن الصلة بالكتاب تقوم على المداومة اللطيفة لا على الإرهاق. وهذا ربط عام بالقيمة، وليس تفسيرًا للمصحف المغلق الذي رآه النائم ولا تقريرًا لحاله. وتبقى الصورة صورة ذهنية تُقرأ على قدر ما تحتمل.
ذكر بعض المعبّرين أن الكتاب المغلق في المنام يُنظر فيه إلى ما يُدّخر من علم أو سر أو أمر لم يحن وقته، ولا يُجزم بصحة كل تفصيل. وذهب آخرون منهم إلى أن ما يُرى من كتب الدين محفوظة يُحمل على الخير والصيانة في الجملة. وتختلف الأقوال بين المعبّرين في هذا الباب، والأولى أن تؤخذ إشارات عامة لا قواعد ثابتة.
يتغير المعنى بالسياق. فإن كان المصحف مغلقًا في موضعه المألوف، مالت الصورة إلى الاستقرار والاحتفاظ بأمر ثمين. وإن كان الرائي يمد يده إليه ليفتحه، فقد يدل على رغبة في الاقتراب والقراءة. وإن كان مغطى بقماش أو في علبة، فقد يرمز إلى الحفظ والاحترام. وإن كان الرائي مشغولًا عنه بأمور أخرى، فقد تعبّر الصورة عن انشغاله بما حوله.
للطالب قد يرمز المصحف المغلق إلى وقت الامتحانات الذي ينشغل فيه عن غيره. وللموظف قد يعكس أيامًا مزدحمة يؤجل فيها ما يحب. ولربة البيت قد يمثّل رغبة في ساعة هادئة لم تأت بعد. ولمن اعتاد القراءة قد يكون مجرد صورة لمصحفه في مكانه المعتاد. وفي كل حال لا يحمل المشهد دلالة على تقصير ولا لوم، وإنما يصف حال الأيام.
ومن التفاصيل ما يتعلق بهيئة المصحف: هل كان غلافه جميلًا؟ هل كان مغطى بغبار؟ هل كان في مكان مرتفع؟ وهذه صور يصنعها الذهن من البيئة المحيطة، وليس لها معنى مستقل أو رسالة. فلا ينبغي أن يحمّل الرائي نفسه لومًا أو أن يستخرج من الغبار أو الغلاف دلالة مخصوصة. والاكتفاء بالمعنى العام أسلم وأهدأ.
من الجانب النفسي، قد تعبّر الصورة عن رغبة في أن يجد الرائي وقتًا للهدوء بعد انشغال، وعن شعور خفيف بالحنين إلى الصحبة القديمة مع الكتاب. ويفيد في ذلك أن يضع الإنسان لنفسه موعدًا يسيرًا ثابتًا يناسب يومه، فالقليل الدائم أيسر من الكثير المنقطع. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإذا استمر القلق أو الضيق فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله. والأحلام لا تغني عن ذلك.
وقد يرى بعضهم في الصورة معنى الحفظ والاحتفاء، فالكتاب الغالي يُوضع في مكان آمن ويُرعى. وكما يُعتنى بالأشياء العزيزة ويُنتظر وقتها المناسب، فكذلك الأوقات الهادئة تعود بعد الزحام. وهذه قراءة رمزية عامة لا تحمل بشارة ولا تحذيرًا. وتبقى للرائي حرية أن يأخذ منها ما يطمئنه ويدع ما سواه. ويحسن أن يُذكر أن الصور الساكنة في المنام أقل حمولة من الصور المتحركة، فالمصحف المغلق مشهد هادئ لا فعل فيه ولا حدث. ولذلك لا يُحمَّل من الدلالات إلا ما يوافق هدوءه، كالانتظار والصون وترتيب الأوقات. وقد يكون المشهد مجرد استدعاء من الذاكرة لمنظر مألوف في البيت أو المسجد، ثم عرضه الذهن في المنام كما يعرض سائر المألوفات. فلا يُطلب من الرائي أن يفعل شيئًا بعد الاستيقاظ.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله بالتوفيق والسكينة وصلاح الحال. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تحتمل أوجهًا متعددة وقد لا تحمل معنى على الإطلاق، ولذلك لا تُبنى على الصور قرارات في اليقظة. والله أعلم.
