قد يرى النائم أنه يحاول فتح المصحف فلا ينفتح بسهولة، أو تلتصق صفحاته، أو يتعثر في العثور على الموضع الذي يريده. وهذه من الصور الشائعة في الأحلام، فكثيرًا ما تتعسر في المنام أمور بسيطة كفتح باب أو إغلاق حقيبة. وهي لا تُحمل على لوم ولا تقصير، بل تُقرأ في إطار الانشغال وازدحام الذهن. والرؤيا عمومًا تأمل رمزي لا يُبنى عليه جزم، وما يقال في تعبيرها اجتهاد يحتمل الخطأ.
المعنى الرمزي الأقرب لصعوبة الفتح هو أن الرائي يريد الاقتراب من القراءة لكن مشاغل يومه تحول بينه وبين ذلك. فالمصحف في الصورة رمز للصلة بكتاب الله والسكينة والهداية، والتعسر في فتحه يشبه رغبة في الهدوء لم يتسع لها الوقت بعد. وقد يعبّر المشهد عن ازدحام الأعمال وكثرة المطالب التي تؤخر الجلوس مع القراءة. وليس في هذا لوم، فالأيام الحافلة تمر بكل إنسان، والقراءة في الرموز ترتبط بالطمأنينة والانتظام والعلم.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (سورة الشرح، الآية 5). وفي هذه الآية ما يذكّر بقيمة الصبر والتفاؤل عند تعسر الأمور وبأن الأحوال تتبدل. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا للمشهد الذي رآه النائم، ولا وعدًا بنتيجة في أمر ما. فالآية تبقى مصدر طمأنينة في اليقظة، أما الحلم فيبقى صورة ذهنية تُقرأ على قدر ما تحتمل.
ذكر بعض المعبّرين أن تعسر الأمور البسيطة في المنام يُنظر فيه إلى ما يشغل صاحبه من مشاغل أو ما يجده من تباطؤ في بعض شأنه، دون جزم بصحة هذا القول. وذهب آخرون منهم إلى أن الكتاب المغلق قد يُرمز به إلى ما لم يتهيأ بعد من العلم أو الفهم عند صاحبه. وتختلف أقوال المعبّرين في ذلك، والأولى أن تُؤخذ على أنها إشارات عامة، وليست قاعدة تُحتكم إليها في تعبير الصور.
يتغير المعنى بالسياق. فإن كان المصحف ينفتح بعد محاولة قصيرة، مالت الصورة إلى انشغال عابر يزول مع قليل من التؤدة. وإن بقي الرائي يحاول طويلًا، فقد يدل على كثرة ما يشغله في يقظته. وإن ساعده أحد في الفتح، فقد تعبّر الصورة عن حاجته إلى الاستعانة بمن حوله في أمر يزاحمه. وإن كان المكان ضيقًا أو مظلمًا، فقد يكون التعثر مرتبطًا بالأجواء في الحلم لا بالمصحف نفسه.
للطالب قد يكون التعثر في الفتح تعبيرًا عن ضغط الدراسة وكثرة المهام الدراسية. وللموظف قد يرمز إلى مواعيد متلاحقة لا تترك مجالًا للراحة. ولربة البيت قد يعكس كثرة الشواغل التي تنسيها الجلوس الهادئ. ولمن اعتاد القراءة صباحًا قد يكون انعكاسًا لتغير في جدوله. فالرمز واحد، والمعنى يتبدل بتبدل ظرف الرائي، ولا يحمل شيئًا أكثر من وصف حال الأيام.
ومن التفاصيل ما يتعلق بحال المصحف: هل كانت الصفحات ملتصقة؟ هل كان الغلاف مغلقًا بإحكام؟ وهل كان الرائي مستعجلًا؟ وهذه صور يركبها الذهن من مشاهد اليقظة، وليس لها معنى مستقل ولا رسالة. فكثير من أحلام التعسر تشترك في الشعور نفسه، سواء كان الشيء كتابًا أو بابًا أو هاتفًا. ولذلك يحسن ألا يُحمَّل المشهد أكثر من دلالته العامة.
من الجهة النفسية، قد تشير الصورة إلى أن الرائي يشعر بحاجة إلى وقت هادئ لا يجده في يومه، وأن الأعباء تتراكم عليه فتؤخر ما يحب. ويفيد في ذلك ترتيب الوقت بعناية، وجعل مقدار يسير ثابت من القراءة كل يوم دون إثقال على النفس. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده الضيق أو الإرهاق فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله. والأحلام لا تغني عن ذلك.
وقد يُنظر إلى الصورة نظرة مختلفة، فالتعسر في الفتح قد يكون إشارة إلى رغبة داخلية صادقة في القراءة تنتظر فرصتها. وكما أن الباب الذي يتأخر فتحه ينفتح في آخر الأمر بقليل من الصبر، فكذلك الأوقات الهادئة تعود بعد الزحام. وهذه قراءة رمزية عامة لا تحمل وعدًا ولا تحذيرًا. ويبقى الأمر في دائرة التأمل الهادئ الذي يختلف باختلاف الأشخاص. ومن جرّب ترتيب وقته يعلم أن الأعمال الصغيرة تتراكم إذا أُجّلت، وأن التخفف منها يعيد للنفس صفاءها. فلعل المشهد دعوة لطيفة إلى هذا الترتيب، من غير أن يكون له أثر يتجاوز دلالته الرمزية العامة. وإذا شعر الرائي بالراحة عند الاستيقاظ فذلك كافٍ، وإن لم يتذكر شيئًا من التفاصيل فهذا طبيعي.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله بالتيسير والسكينة وصلاح الحال. وقد ورد في الحديث المتفق عليه أن من رأى ما يكره فليستعذ بالله ولا يحدّث به أحدًا. والله أعلم.
