قد يرى النائم أنه يعثر على مصحف في مكان لم يتوقعه، كأن يجده في درج قديم أو على رف مرتفع أو بين كتب منسية، فيفرح به ويمسح الغبار عن غلافه. وهذه صورة تشبه فرحة العثور على شيء عزيز بعد غياب. وهي صورة رمزية لا يُبنى عليها جزم ولا قرار، وكل ما يقال في تعبيرها اجتهاد قابل للخطأ يختلف باختلاف حال الرائي. والمعنى الأقرب هو الأنس بعودة ما كان مألوفًا.
العثور في الرموز يعبّر عن اكتشاف شيء كان غائبًا عن الانتباه، وعن شعور بالارتياح بعد حيرة. والمصحف يرتبط في الأذهان بالطمأنينة والهداية والصلة بكتاب الله والانتظام والسكينة والعلم. فإذا اجتمع الأمران دلّ ذلك في الجملة على أنس الرائي بالعودة إلى ما يعرفه ويحبه من عادات هادئة، وعلى ميل إلى استعادة صلة قديمة بما يريحه. وهو معنى عام يشبه فتح صندوق ذكريات قديم، وليس خبرًا عن شيء محدد.
قال الله تعالى: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ (سورة العلق، الآية 1). وفي هذه الآية ما يذكّر بمكانة القراءة وبدء الطريق إلى العلم. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا لمشهد العثور ولا تقريرًا لحال الرائي. فالدرج والغبار والرف صور ذهنية، والآية تبقى في موضعها من التذكير بقيمة القراءة والعلم في اليقظة، دون أن تُنزَّل على الحلم أو تُجعل شرحًا له.
ذكر بعض المعبّرين أن العثور على الشيء المفقود في المنام يُنظر فيه إلى معنى الارتياح وعودة المألوف، ولا يُجزم بصحة كل تفصيل منه. وذهب آخرون منهم إلى أن ما يتصل بكتاب الله يُحمل على الخير والأنس في الجملة. وتختلف أقوال المعبّرين في هذه الصور اختلافًا واسعًا، والأولى أن تؤخذ إشارات عامة لا قاعدة ثابتة، وألا يُبنى عليها ما يتجاوز المعنى الوجداني الهادئ.
يتغير المعنى بالسياق. فإن كان المصحف عليه غبار كثيف، مال المعنى إلى طول العهد بشيء مألوف وإلى الحنين إليه. وإن وجده في بيت الأهل، مال المعنى إلى الذكريات العائلية. وإن وجده في مكان غريب، فقد تعكس الصورة دهشة الرائي من اكتشاف شيء مألوف في غير موضعه. وإن شاركه أحد فرحة العثور، فقد يعبّر ذلك عن الأنس بمن حوله.
للطالب قد يمثّل العثور استعادة عادة هادئة وسط انشغال الدراسة. وللموظف قد يعكس شوقًا إلى هدوء افتقده في زحام العمل. ولربة البيت قد يرمز إلى ترتيب البيت وإحياء عادات قديمة فيه. وللكبير في السن قد يمثّل استدعاء ذكريات الصبا والأهل. وللقادم من سفر طويل قد يعبّر عن فرحة العودة إلى المألوف. فالرمز واحد، لكن لكل رائٍ فيه قراءة تناسب ظروفه وعلاقاته.
ومن التفاصيل ما يتعلق بالمشهد: كيف كان شكل الغلاف؟ وهل كان قديمًا أم جديدًا؟ وهل كان معه أحد حين وجده؟ وكل هذه صور يصنعها الذهن من مخزون الذكريات والمشاهد، وليس لها معنى مستقل أو رسالة. ولا يُربط المكان أو الشخص الحاضر بحدث أو بحال له، ولا يُظن أنه رآه الرائي حقًا، فهي صور ذهنية. والاكتفاء بالمعنى العام الوجداني أسلم وأهدأ للنفس.
من الجهة النفسية، قد يعبّر الحلم عن شوق الرائي إلى مرحلة أهدأ أو إلى عادة افتقدها، وعن رغبته في استعادة التوازن. ويفيد في ذلك أن يعود إلى شيء بسيط كان يريحه، وأن يمنح نفسه وقتًا قصيرًا يوميًا لما يحبه. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده الشعور بالفراغ أو الضيق فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله ممن يثق بهم. والأحلام لا تغني عن ذلك.
وقد يعود المشهد ببساطة إلى ترتيب قريب للبيت أو إلى رؤية كتب قديمة في اليقظة، فالذهن يعيد تشكيل ما مرّ به في النهار على هيئة مشاهد غريبة. وقد يكون أثرًا من حنين عابر إلى الأيام الماضية لا أكثر. وهذا التفسير الذهني البسيط هو الأقرب غالبًا، ولا يحتاج إلى توسع ولا يترتب عليه شيء بعد الاستيقاظ، ويمكن للرائي أن يمضي في يومه مطمئنًا. والذهن في النوم يجمع الصور المتباعدة في مشهد واحد دون منطق ثابت، فلا يلزم أن يكون لكل تفصيل فيه معنى خاص، ولا أن يُفتَّش عن دلالة وراء كل لون أو شكل أو صوت. وكلما خفّ التكلف في قراءة الحلم كان ذلك أريح للنفس وأقرب إلى الصواب.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله بالسكينة والتوفيق وصلاح الحال. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تحتمل أوجهًا متعددة وقد لا تحمل معنى على الإطلاق، ولذلك لا تُبنى على الصور قرارات في اليقظة. والله أعلم.
