قراءة القرآن من المصحف في المنام صورة مألوفة يجتمع فيها الكتاب المرئي والصوت المقروء، فيشعر الرائي بأن المعنى قريب منه وأنه ينظر إلى النص نظرة مباشرة. وهي رؤيا رمزية تتأثر بما يحبه صاحبها وما يألفه في يقظته، ولا يُجزم فيها بشيء. وقد تكلم المعبّرون عن رؤية الكتب والمصاحف وما يتصل بالقراءة فيها بوجوه متعددة. والمقصود عرض ما يُفهم منها بهدوء وحذر. ويحسن بالرائي أن يستقبلها بقلب مطمئن لا يطلب منها أكثر مما تحتمل.
المصحف رمز للكتاب المحفوظ الذي يُرجع إليه، والنظر فيه يوحي بالاسترشاد وطلب الفهم والتثبت من الأمر قبل المضي فيه. وحين تجتمع الرؤية والقراءة فقد تعبّر الصورة عن رغبة الرائي في أن يكون له مرجع ثابت يطمئن إليه وسط تقلب الأيام. وقد ترمز أيضًا إلى الصلة بكتاب الله على نحو مباشر وواضح، وإلى حب العلم والانتظام في طلبه. وقد تدل على حاجة النفس إلى كلمة موثوقة تطمئنها. وهذه كلها معانٍ عامة يوازن بينها الرائي بحاله.
ويُذكر في وصف هذا الكتاب قول الله تعالى: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (سورة ص، الآية 29). وهذا استشهاد عام بمكانة الكتاب ومقصده، ولا يُراد به أن الرائي قرأ منه آية محددة في حلمه. ويبقى تعبير الرؤى ظنيًا، فمن الحسن أن تُستقبل الصورة الطيبة بحسن الظن دون مبالغة في تحميلها. ويبقى تعبير الرؤى اجتهادًا ظنيًا يُعرض بحذر وتواضع.
ذكر بعض المعبّرين في كتب التعبير أن الكتب في المنام ترمز عمومًا إلى العلم والعهود والأخبار، وأن النظر في الكتاب الشريف يُحمل على معنى الخير والاسترشاد. وذهب آخرون منهم إلى معانٍ قريبة تدور حول الفهم والتبصر. ولا يُجزم بعبارة محددة في ذلك، فنصوص هذا الباب تتفاوت بين النسخ. وقد يفرّق بعض المعبّرين بين من يرى المصحف مفتوحًا بين يديه ومن يراه مغلقًا، فيجعلون للمفتوح معنى الاستعداد للفهم.
للسياق أثره في المعنى. فإن كان المصحف على منضدة هادئة وضوء رقيق فالأقرب أن المشهد يعبّر عن السكينة والصفاء. وإن كان في مكان مزدحم فقد يعبّر عن رغبة في فسحة هدوء وسط الانشغال. وإن كان المصحف قديمًا مألوفًا فقد يعبّر عن الحنين إلى ما اعتاده الرائي من هدوء الماضي، وإن كان جديدًا فقد يعبّر عن بداية صلة متجددة. ويُنظر كذلك إلى شعور الرائي عند الاستيقاظ.
ويختلف المعنى بحسب الرائي. فمن اعتاد النظر في المصحف قد يكون الحلم امتدادًا لما يألفه، ومن قلّ اتصاله به قد يكون الحلم صدى لشوق قديم. والطالب قد يرى فيه رمزًا للجد والتركيز، والأم قد ترى فيه رمزًا للسكينة في بيتها، والمتقدم في السن قد يرى فيه أنسًا بما صاحبه طويلًا. وليس في المشهد مقارنة بين الناس ولا تقييم لمستوى أحد.
والتفاصيل تضيف دلالات. فإذا كانت الكلمات واضحة والسطور منتظمة فهو أقرب إلى معنى الوضوح والانتظام. وإذا ظهرت الصفحات غائمة أو متغيرة فقد يكون ذلك من أثر تداخل الأحلام دون رسالة. ولون الغلاف وحجم المصحف وطريقة حمله تدخل في الصورة الرمزية بحسب ما يربطه الرائي بها من ذكريات. فقد يكون المصحف هو مصحف البيت القديم فيحمل معنى الألفة. وكل ذلك قراءات عامة لا قطع فيها.
ومن الناحية النفسية يعبّر مشهد المصحف في الأحلام غالبًا عن حاجة إلى مرجع ثابت وإلى صلة هادئة بما يحب المرء. ويمكن أن يتأمل الرائي في الوقت الذي يمنحه لما ينفعه في يومه. وهذه أسئلة ذاتية لا تُفرض. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإذا شعر الرائي بقلق مستمر أو بضيق يثقل عليه فمن الحسن أن يتحدث إلى مختص أو إلى أحد أهله الذين يثق بهم.
ومن الأدب مع الرؤيا ألا يتكلف الرائي لها أبعادًا لم يرها، وألا يربطها بأحداث مقبلة. فالرؤيا الهادئة تُستقبل بالشكر وتُترك. وقد ورد في الحديث الصحيح بمعناه أن من رأى ما يحب فلا يحدّث به إلا من يحب (متفق عليه). وفي ذلك سعة للرائي، فله أن يكتم وله أن يحدّث قريبًا يطمئن إليه. ومن حسن التدبير ألا يرهق المرء نفسه بتتبع الأحلام، فالأمر أبسط مما يُظن.
وجملة القول أن القراءة من المصحف في المنام تحمل في عمومها معاني الصلة بكتاب الله وطلب الفهم والاسترشاد والسكينة. وكل ذلك اجتهاد بشري ظني، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بربه وأن يدعوه بصلاح الحال وطمأنينة القلب. ثم يمضي في يومه بهدوء ودون ترقب. وفي ذكر الله راحة تفوق كل تأويل.
