قد يرى النائم في منامه مصحفًا كبير الحجم، ثقيل الغلاف، واسع الصفحات، بخط كبير واضح. وهذه صورة مهيبة هادئة في النفس، تشبه كتابًا ضخمًا يوضع على منصة أو طاولة واسعة. وهي صورة رمزية لا يُبنى عليها جزم ولا قرار، وكل ما يُقال في تعبيرها اجتهاد قابل للخطأ، ويختلف بحسب حال الرائي. والمعنى الأقرب هنا هو السعة والوضوح والعناية بالقراءة.
المصحف الكبير في الرموز يوحي بالامتداد والرحابة، فهو كتاب يتسع للنظر ويُقرأ بيسر لأن حروفه واضحة. وقد يعبّر عن رغبة الرائي في أن تكون صلته بالقراءة أوسع وأوضح وأقل استعجالًا. وقد يرمز كذلك إلى الاهتمام بالتفاصيل وحسن التأني، أو إلى شعور بالمهابة أمام ما يحبه من علم. والقراءة في الرموز ترتبط بالطمأنينة والهداية والصلة بكتاب الله والانتظام والسكينة والعلم.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ﴾ (سورة البروج، الآية 21). وفي هذه الآية ما يذكّر بمعنى الشرف والمكانة لهذا الكتاب في النفوس. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا للمصحف الكبير الذي رآه النائم ولا تقريرًا لحاله. فالحجم في الحلم صورة ذهنية، والآية تبقى في موضعها من التعظيم والتقدير في اليقظة.
ذكر بعض المعبّرين أن الكتاب الكبير في المنام يُنظر فيه إلى ما يتصل بسعة العلم أو عظم الأمانة بحسب حال صاحبه، ولا يُجزم بكل تفصيل. وذهب آخرون منهم إلى أن ما يتصل بكتاب الله يُحمل على الخير والرفعة المعنوية في الجملة. وتختلف أقوال المعبّرين في هذه الصور، والأولى أن تؤخذ إشارات عامة لا قاعدة ثابتة ولا وعدًا بشيء.
يتغير المعنى بالسياق. فإن كان المصحف الكبير موضوعًا على منصة هادئة، مال المعنى إلى التعظيم والاحترام. وإن كان الرائي يحمله بصعوبة لثقله، فقد يعبّر عن شعور بثقل المسؤوليات التي يحملها في يقظته. وإن كان يقرأ فيه بسهولة بسبب وضوح الخط، فقد يعكس راحة في أمر كان يتعسر عليه. وإن كان أمام جمع من الناس، فقد يرمز إلى الاجتماع على الخير والهدوء.
للطالب قد يمثّل المصحف الكبير مرجعًا ضخمًا يتهيب منه ثم يألفه شيئًا فشيئًا. وللموظف قد يعكس مهمة كبيرة تحتاج إلى تنظيم هادئ. ولربة البيت قد يرمز إلى مكانة الكتاب في بيتها واهتمامها به. وللكبير في السن قد يرمز إلى ارتياح لخط واضح كبير يريح نظره. فالرمز واحد، لكن لكل رائٍ فيه قراءة تناسب ظرفه وحاجته.
ومن التفاصيل ما يتعلق بالحجم: هل كان ضخمًا بشكل مبالغ فيه؟ هل كان الخط ذهبيًا؟ هل كان الرائي يقف أمامه أم يجلس؟ وهذه صور يصنعها الذهن بالمبالغة، فالمنام يضخّم الأحجام بلا ضابط. وليس للحجم أو اللون دلالة مستقلة أو رسالة، ولا يُربط بحدث أو بنتيجة. والاكتفاء بالمعنى العام أسلم وأهدأ للنفس.
من الجهة النفسية، قد يعبّر الحلم عن رغبة الرائي في أن تكون الأمور واضحة أمامه كما هو الخط الكبير، وفي أن يتخفف من الغموض والتشويش. ويفيد في ذلك أن يرتب أولوياته ويقسّم الأعمال الكبيرة إلى أجزاء صغيرة. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده التوتر أو ثقل المسؤوليات فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله. والأحلام لا تغني عن ذلك.
وقد يُنظر إلى الصورة من باب الاحترام، فالكتاب الكبير يُوضع بعناية ويُتناول بهدوء، وكذلك ما يُقدَّر في حياة الإنسان يُعامل بتأنٍّ. وفي هذا معنى عام عن إعطاء الأمور الجليلة حقها من الهدوء والتأمل. وهو معنى رمزي لا يحمل بشارة ولا تحذيرًا، ولا يخص رائيًا بذاته. ويبقى للإنسان أن يزن ما يناسبه منه بعقله وهدوئه ثم يمضي في يومه مطمئنًا. ومن الطريف أن العقل في النوم كثيرًا ما يكبّر ما يهتم به الإنسان، فيظهر الكتاب الذي يحبه أكبر مما هو في الواقع. فقد يكون الحجم الكبير دليلًا على اهتمام الرائي وشغفه بالقراءة أكثر منه رمزًا لأمر آخر. وقد يعود الأمر ببساطة إلى مصحف كبير رآه في مسجد أو في معرض للكتب فبقيت صورته في الخيال. وكل ذلك يبقى في إطار التأمل الهادئ الذي لا يترتب عليه عمل.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله بالسكينة والتوفيق وصلاح الحال. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تحتمل أوجهًا متعددة وقد لا تحمل معنى على الإطلاق، ولذلك لا تُبنى على الصور قرارات في اليقظة. والله أعلم.
