قد يرى النائم ضوءًا هادئًا يخرج من مصحف بين يديه أو أمامه، فيملأ الغرفة بنور ناعم ويشعر بالسكينة. وهذه صورة جميلة تشبه ما تصنعه المخيلة حين تربط بين الكتاب والوضوح. وهي صورة ذهنية رمزية لا يُبنى عليها جزم ولا قرار، وليست خبرًا عن شيء ولا علامة على حال أحد، وكل ما يقال في تعبيرها اجتهاد قابل للخطأ يختلف باختلاف حال الرائي. والمعنى الأقرب هو الوضوح والصفاء الداخلي.
الضوء في الرموز يعبّر عن الوضوح والانشراح وزوال الحيرة في الجملة، والمصحف يرتبط في الأذهان بالطمأنينة والهداية والصلة بكتاب الله والانتظام والسكينة والعلم. فإذا اجتمع الأمران دلّ ذلك على ميل الرائي إلى الوضوح والسكينة وعلى رغبته في أن تهدأ أفكاره. وهو معنى عام يشبه شعور الإنسان حين تنقشع عنه غمامة قلق، وليس كرامة ولا إشارة خاصة ولا رسالة لأحد، وإنما هو صورة صنعها الذهن.
والضوء في الأحلام صورة الوضوح والانفراج والارتياح، فإذا خرج من المصحف مالت الرمزية إلى معنى الأنس والصفاء، وإلى حاجة النفس إلى معنى جميل يبدد شيئًا من الغموض. وقد يعبّر المشهد عن شعور بالارتياح للكتاب نفسه ولمكانته في الوجدان، وقد يكون أصله إضاءة قريبة من الرائي أثناء نومه. ولا يُجعل الضوء علامة على أمر غيبي ولا دليلًا على منزلة أحد، فالصورة ذهنية رمزية عامة. ويبقى تعبيرها ظنيًا يُقرأ بتواضع وهدوء، ولا يُحمَّل أكثر مما يحتمل.
ذكر بعض المعبّرين أن الضوء في المنام يُنظر فيه إلى معنى الوضوح والانفراج في الجملة، ولا يُجزم بصحة كل تفصيل منه. وذهب آخرون منهم إلى أن ما يتصل بكتاب الله يُحمل على الخير والأنس في الجملة. وتختلف أقوال المعبّرين في هذه الصور اختلافًا واسعًا، والأولى أن تؤخذ إشارات عامة لا قاعدة ثابتة، وألا تُجعل الصورة علامة على أمر غيبي أو دليلًا على منزلة.
يتغير المعنى بالسياق. فإن كان الضوء ناعمًا هادئًا، مال المعنى إلى السكينة. وإن كان شديدًا يخطف النظر، فقد تعكس الصورة اندفاع المشاعر أو كثرة الأفكار. وإن كان في غرفة مظلمة، مال المعنى إلى الرغبة في وضوح بعد حيرة. وإن كان في مكان مفتوح، مال المعنى إلى الانشراح والسعة. وإن شاركه أحد رؤية الضوء، فقد يعبّر ذلك عن الأنس بالقرب من الأهل.
للطالب قد يمثّل المشهد شعورًا بالوضوح بعد فهم موضوع صعب. وللموظف قد يعكس ارتياحًا بعد حل مشكلة عالقة. ولربة البيت قد يرمز إلى هدوء بعد يوم مزدحم. وللكبير في السن قد يمثّل صفاء الذكريات الطيبة. وللمتردد في قرار قد يعبّر عن رغبة في أن تتضح أمامه الأمور بهدوء. فالرمز واحد، لكن لكل رائٍ فيه قراءة تناسب ظروفه، ولا يُحمل على أمر خاص بشخص بذاته.
ومن التفاصيل ما يتعلق بالمشهد: ما لون الضوء؟ وهل كان قويًا أم خافتًا؟ وهل كان ثابتًا أم متحركًا؟ وكل هذه صور يصنعها الذهن من مخزون المشاهد والأفلام والصور التي رآها الرائي، وليس لها معنى مستقل أو رسالة. ولا يُظن أن الضوء علامة على شيء محدد، فهو صورة ذهنية خالصة. والاكتفاء بالمعنى العام الوجداني أسلم وأهدأ للنفس.
من الجهة النفسية، قد يعبّر الحلم عن رغبة الرائي في أن تهدأ أفكاره وتتضح أولوياته. ويفيد في ذلك أن يكتب ما يشغله وأن يرتبه، وأن يمنح نفسه وقتًا هادئًا قصيرًا كل يوم. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده القلق أو الضيق فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله ممن يثق بهم. والأحلام لا تغني عن ذلك.
وقد يعود المشهد ببساطة إلى ضوء رآه الرائي في يومه أو إلى مشهد في فيلم أو صورة، فالذهن في النوم يستعير الصور المؤثرة ويركبها بطريقته. وهذا التفسير الذهني البسيط هو الأقرب غالبًا، ولا يحتاج إلى توسع ولا يترتب عليه شيء بعد الاستيقاظ. ويكفي الرائي أن يخرج من الحلم بشعور السكينة، ثم يمضي في يومه مطمئنًا دون أن يشغل ذهنه بتفاصيل الضوء ولونه. والأحلام صور عابرة تمر ثم تتلاشى. وكلما خفّ التكلف في قراءة الحلم كان ذلك أريح للنفس وأقرب إلى الصواب، فالذهن يجمع الصور المتباعدة في مشهد واحد دون منطق ثابت، ولا يلزم أن يكون لكل تفصيل فيه دلالة خاصة. ويبقى الأصل أن الصورة المؤنسة تُستقبل بالشكر والحمد، من غير بناء عليها أو تحميلها فوق ما تحتمل.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله بالسكينة والتوفيق وصلاح الحال. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تحتمل أوجهًا متعددة وقد لا تحمل معنى على الإطلاق، ولذلك لا تُبنى على الصور قرارات في اليقظة. والله أعلم.
