قد يرى النائم أنه يبحث عن مصحفه فلا يجده، فيقلّب الأدراج والرفوف ويسأل من حوله، ويشعر بشيء من الحيرة. وهذه صورة تشبه ما يحدث في اليقظة حين يُنسى غرض مألوف في غير مكانه. وهي صورة رمزية لا يُبنى عليها جزم ولا قرار، وكل ما يقال في تعبيرها اجتهاد قابل للخطأ، ويختلف باختلاف حال الرائي. والمعنى الأقرب هو الانشغال وتزاحم المشاغل عن عادة هادئة مألوفة.
الفقد في الرموز يعبّر عن غياب شيء مألوف عن الانتباه مؤقتًا، لا عن زواله. والمصحف يرتبط في الأذهان بالطمأنينة والهداية والصلة بكتاب الله والانتظام والسكينة والعلم. فإذا اجتمع الأمران دلّ ذلك في الجملة على أن الرائي منشغل بأمور كثيرة أخذت من وقته الهادئ، وأنه يشتاق إلى ترتيب أيامه من جديد. وهذا معنى عام لا يُفهم منه تقصير ولا ابتلاء ولا ذنب، فالانشغال حال يمر بها كل إنسان في أيام الازدحام.
ولا حاجة هنا إلى نص محدد يُنزَّل على الصورة، فالأقرب أن تبقى في دائرة المعاني الإنسانية العامة. ومن أراد التذكير فليستحضر أن صلة الإنسان بكتاب ربه تقوم بالقلب والمعاملة الطيبة كما تقوم بالورق والغلاف، وأن الأحلام لا تُقاس بها الأحوال. وهذا ربط عام بالمعنى وليس تفسيرًا للحلم، ولا يحمل بشارة ولا تحذيرًا، وإنما هو تذكير هادئ بأن الأنس بالكتاب باب مفتوح في كل وقت.
ذكر بعض المعبّرين أن فقد الشيء في المنام يُنظر فيه إلى معنى الغفلة المؤقتة عنه أو الانشغال بغيره، ولا يُجزم بصحة كل تفصيل منه. وذهب آخرون منهم إلى أن ما يتصل بكتاب الله يُحمل على باب الخير والأنس في الجملة، وأن الفقد يُقرأ بحسب ما يعقبه من العثور أو القلق. وتختلف أقوال المعبّرين في هذه الصور، والأولى أن تؤخذ إشارات عامة لا قاعدة ثابتة.
يتغير المعنى بالسياق. فإن وجده الرائي سريعًا في الحلم، مال المعنى إلى زوال الحيرة وعودة الاطمئنان. وإن ظل يبحث طويلًا، فقد تعكس الصورة كثرة المهام العالقة في ذهنه. وإن كان البحث في بيت مألوف، مال المعنى إلى الروتين اليومي وما فيه من تبدل. وإن ساعده أحد في البحث، فقد يعبّر ذلك عن وجود من يسنده ويقف إلى جانبه في أيامه.
للطالب قد يمثّل الفقد انشغالًا بالامتحانات والتكاليف عن هدوء الروتين. وللموظف قد يعكس ازدحام العمل وتشتت الانتباه بين المهام. ولربة البيت قد يرمز إلى تزاحم المسؤوليات داخل البيت وخارجه. وللكبير في السن قد يمثّل حنينًا إلى عادات كانت أيسر وأقرب. وللمسافر قد يعبّر عن الشعور بغياب المألوف في مكان غريب. فالرمز واحد، لكن لكل رائٍ فيه قراءة تناسب ظروفه.
ومن التفاصيل ما يتعلق بالمشهد: أين كان يبحث؟ وهل كان المكان مظلمًا أم مضاءً؟ وهل كان يسأل أحدًا؟ وكل هذه صور يصنعها الذهن من مخزون المشاهد اليومية، وليس لها معنى مستقل أو رسالة. ولا تُربط الأماكن أو الأشخاص بحدث أو بحال لأحد، ولا يُظن أن من ظهر في الحلم حضر حقًا، فهي صور ذهنية. والاكتفاء بالمعنى العام الوجداني أسلم وأهدأ للنفس.
من الجهة النفسية، قد يعبّر الحلم عن شعور الرائي بأن الوقت يفلت منه وأن عنده أمورًا مؤجلة. ويفيد في ذلك أن يكتب ما يشغله وأن يرتب أولوياته ببساطة، وأن يخصص وقتًا قصيرًا لما يريحه كل يوم. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده القلق أو الضيق فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله ممن يثق بهم. والأحلام لا تغني عن ذلك.
وقد يعود المشهد ببساطة إلى تجربة واقعية في اليوم نفسه، كأن يبحث الرائي عن غرض ضاع منه أو يتذكر شيئًا نسيه، فيكمل الذهن الصورة في النوم بطريقته. وقد تكون بقايا قلق عابر من ازدحام الأيام لا أكثر. وهذا التفسير الذهني البسيط هو الأقرب غالبًا، ولا يحتاج إلى توسع ولا يترتب عليه شيء بعد الاستيقاظ، ويمكن للرائي أن يمضي في يومه بطمأنينة. والذهن في النوم يجمع الصور المتباعدة في مشهد واحد دون منطق ثابت، فلا يلزم أن يكون لكل تفصيل فيه معنى خاص، ولا أن يُفتَّش عن دلالة وراء كل لون أو شكل أو صوت. وكلما خفّ التكلف في قراءة الحلم كان ذلك أريح للنفس وأقرب إلى الصواب.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله بالسكينة والتوفيق وصلاح الحال. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تحتمل أوجهًا متعددة وقد لا تحمل معنى على الإطلاق، ولذلك لا تُبنى على الصور قرارات في اليقظة. والله أعلم.
