إذا رأى الرجل في منامه أنه يقرأ القرآن، فهذه من الصور التي يميل أهل التعبير إلى استقبالها بالارتياح، لما فيها من هدوء وحضور للمعاني الكبيرة. غير أن الرؤيا تبقى رمزًا يحتمل أوجهًا عدة، وليست حدثًا مقررًا ولا خبرًا عن الغد. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تحتمل أوجهًا متعددة وقد لا تحمل معنى، وفي هذا دعوة إلى التمييز بين الصورة الصافية وبين ما لا معنى له من أضغاث الأحلام. وما يلي تأمل رمزي عام لا يتجاوز حدود الاجتهاد.
تدل القراءة في لغة الرؤى على معاني التلقي والتدبر والانتظام، فهي فعل يحتاج حضور الذهن وسكون النفس. وإذا اقترنت بالقرآن الكريم اكتسبت المشهد وقارًا خاصًا، فالقرآن في وجدان المسلم مرجع الطمأنينة والهداية. ولذلك تُفسَّر هذه الصورة في الغالب بأنها تعبير عن صلة هادئة بالمعاني العليا، وعن حاجة إلى ثبات داخلي. وتأتي التفاصيل لتلوّن هذه الدلالة وتوضح اتجاهها، فلا تُهمل ولا يُبالغ فيها.
والرجل يحمل في يومه أعباء العمل والأهل والمسؤوليات، فإذا رأى القراءة في منامه مالت الرمزية إلى حاجته إلى سكينة تخفف عنه، وإلى رغبته في ترتيب أيامه على نسق هادئ. وقد يعبّر المشهد عن اشتياق إلى وقت يخلو فيه بنفسه ويجلس مع ما يحب من الخير، وقد يعكس ميله إلى التأمل بعد انشغال طويل. ولا يُنزَّل المشهد على الرائي كأنه رسالة، ولا يُستدل به على منزلة، فهو صورة ذهنية تتغذى من يومياته وهمومه وعاداته. ويكفي منه معنى الطمأنينة العامة، ويبقى تعبيره ظنيًا يُقرأ بتواضع.
تورد كتب التعبير كلامًا في باب القرآن يدور حول الخير والهداية بوجه عام، غير أن النقل عنه يتفاوت بين مصدر وآخر، فلا يُجزم بكل عبارة. وذهب آخرون منهم إلى أن المعنى يتغير بتغير حال الرائي وهيئة القراءة وما يحيط بها من صور. وقد يرى بعض المعبّرين في المسألة ما لا يراه غيرهم، ولذلك تبقى هذه الأقوال إشارات للنظر والتأمل لا قوالب جامدة يُقاس عليها كل حلم.
أثر سياق اليقظة واضح في هذه الرؤيا. فإن كان الرجل مثقلًا بأعباء العمل ومطالب البيت والتزامات الناس من حوله، فقد تعبّر القراءة الهادئة عن شوق إلى مساحة سكون يلتقط فيها أنفاسه. وإن كان في مرحلة هدوء واستقرار، فقد تعبّر عن رضا واتزان يريد أن يحافظ عليهما. وقد تكون الصورة أيضًا امتدادًا لتلاوة سمعها أو قرأها في الأيام الأخيرة، فالنفس تعيد في المنام ما ألفته في اليقظة. والأقرب أن يقيس الرائي المعنى على حاله.
وللرائي هنا صفة الرجل الذي تتوزع أيامه بين العمل والأسرة والعلاقات الاجتماعية، فيُفهم المشهد غالبًا على أنه ميل إلى جمع الشتات الداخلي في وقت صفاء. وقد يُفهم كذلك على أنه حاجة إلى انتظام في عادات هادئة تعيد إليه التوازن. وليس في هذا ما يعد بوظيفة أو مال أو منصب، ولا ما يخبر عن حدث محدد، فالرموز تتحدث عن الشعور الداخلي ولا تتنبأ بوقائع الأيام. والتأويل الأقرب ما يوافق ما يعرفه الرائي عن نفسه.
وتتبدل الدلالة بتبدل التفاصيل. فالقراءة في مسجد أو في مكان واسع هادئ قد تقترن بمعنى الاتساع وانفتاح الصدر، والقراءة في البيت قد تقترن بمعنى الأمان والألفة، والقراءة بين جماعة قد تشير إلى حب الصحبة الطيبة، والقراءة المنفردة بصوت خافت قد توحي برغبة في الخلوة مع النفس. وإن لم يتذكر الرائي إلا الإحساس بالارتياح فذلك الإحساس هو الأوضح. ولا ينبغي التكلف في استخراج دلالات من صور لم تظهر في الحلم.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا فرصة لسؤال هادئ: هل يجد الرجل وقتًا يوميًا ثابتًا وإن قصر يجلس فيه مع نفسه بعيدًا عن الضجيج؟ هذا سؤال للتأمل لا أكثر، وليس إلزامًا ولا اختبارًا. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا طال الضيق أو القلق أو اضطراب النوم فالمفيد أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله المقربين، فهذا أنفع من الانشغال بتفسير كل صورة.
وكثيرًا ما يخلط الناس بين الرؤيا الهادئة وبين رغبتهم في أن تحمل لهم أخبارًا، والأصل ألا تُحمَّل الصور أكثر مما تدل عليه. فالمشهد الصافي قد يكون مجرد تعبير عن الارتياح الذي تركته تلاوة أو مجلس طيب أو يوم هادئ. وهو في كل حال لا يقيس مكانة الرجل ولا يحكي عن مستقبله. وحسن الاستقبال لهذه الرؤى أن يُشكر الله على ما فيها من أنس، ثم يمضي المرء إلى شؤونه بقلب مطمئن. ومن الأدب مع الرؤى الطيبة أن يخص بها المرء من يحب، وهو أدب لطيف يحفظ صفاء الرؤيا ويبعدها عن كثرة التأويلات المتضاربة. فللرائي أن يُشرك فيها من يأنس برأيه من أهله أو أصدقائه، ثم يكتفي بما يطمئن إليه قلبه. وليس مطلوبًا أن يُسأل كل أحد عن معنى كل رؤيا، فكثرة السؤال قد تشوش أكثر مما توضح.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، وليس إخبارًا عن الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله. فمن رأى رؤيا طيبة فليحسن الظن بربه، وليدعُ الله بالخير والثبات، وليمضِ في يومه بسكينة وطمأنينة. والله أعلم بحقيقة ما رأى.
