قد يرى النائم مصحفًا في حديقة خضراء، بين الأشجار أو على مقعد خشبي، والهواء لطيف والمكان هادئ. وهذه صورة تجمع بين الطبيعة والسكون، وتشبه ما يتمناه كثيرون من أوقات صفاء في أماكن مفتوحة. وهي صورة رمزية لا يُبنى عليها جزم ولا قرار، وكل ما يقال في تعبيرها اجتهاد قابل للخطأ يختلف باختلاف حال الرائي. والمعنى الأقرب هو انشراح الصدر والرغبة في صفاء الذهن.
الحديقة في الرموز تعبّر عن الراحة والانشراح والخروج من ضيق الأماكن المغلقة، والمصحف يرتبط في الأذهان بالطمأنينة والهداية والصلة بكتاب الله والانتظام والسكينة والعلم. فإذا اجتمع الأمران دلّ ذلك في الجملة على ميل الرائي إلى الهدوء والتأمل في أجواء رحبة. وهو معنى عام يشبه الجلوس في مكان جميل مع كتاب أحبه الإنسان، وليس خبرًا عن شيء محدد ولا رسالة لأحد.
والحديقة مكان يوحي بالانشراح والسعة، فإذا وُجد فيها المصحف مالت الرمزية إلى معنى الجمع بين صفاء المكان وصفاء القراءة، وإلى حاجة النفس إلى فسحة هادئة تتأمل فيها. وقد يعبّر المشهد عن رغبة الرائي في أن يقرأ في جو مفتوح بعيد عن الضجيج، أو عن حنين إلى مكان أخضر مألوف. ولا يُنزَّل ذلك على الرائي كأنه وصف لحاله، فالأشجار والمقعد وظلال المكان صور ذهنية تتشكل من مشاهد مرّت به، ويكفي منها معنى الأنس والصفاء.
ذكر بعض المعبّرين أن الحديقة في المنام يُنظر فيها إلى معنى السعة والانشراح وحسن الحال في الجملة، ولا يُجزم بصحة كل تفصيل منه. وذهب آخرون منهم إلى أن ما يتصل بكتاب الله يُحمل على الخير والأنس في الجملة. وتختلف أقوال المعبّرين في هذه الصور اختلافًا واسعًا، والأولى أن تؤخذ إشارات عامة لا قاعدة ثابتة، وألا يُبنى عليها ما يتجاوز المعنى الوجداني الهادئ.
يتغير المعنى بالسياق. فإن كانت الحديقة مرتبة مزهرة، مال المعنى إلى البهجة والصفاء. وإن كانت مهملة ذابلة، فقد تعكس الصورة شعور الرائي بحاجته إلى عناية بنفسه ووقته. وإن كانت حديقة عامة مزدحمة، مال المعنى إلى الأنس بالناس. وإن كانت حديقة بيت قديم، مال المعنى إلى الحنين والذكريات. وإن كان المصحف على العشب، فقد يعبّر المشهد عن بساطة وهدوء.
للطالب قد يمثّل المشهد شوقًا إلى استراحة بعد جهد الدراسة. وللموظف قد يعكس رغبة في الابتعاد عن ضغط المكاتب المغلقة. ولربة البيت قد يرمز إلى حاجة إلى وقت هادئ في الهواء الطلق. وللكبير في السن قد يمثّل أنسًا بذكريات المتنزهات القديمة. وللمسافر قد يعبّر عن شوق إلى مكان مألوف يستريح فيه. فالرمز واحد، لكن لكل رائٍ فيه قراءة تناسب ظروفه وعلاقاته.
ومن التفاصيل ما يتعلق بالمشهد: ما نوع الأشجار؟ وهل كان الجو مشمسًا أم غائمًا؟ وهل كان معه أحد؟ وكل هذه صور يصنعها الذهن من مخزون الأماكن التي زارها، وليس لها معنى مستقل أو رسالة. ولا يُربط المكان أو الأشخاص بحدث أو بحال لأحد، ولا يُظن أن من ظهر في الحلم حضر حقًا، فهي صور ذهنية. والاكتفاء بالمعنى العام الوجداني أسلم وأهدأ للنفس.
من الجهة النفسية، قد يعبّر الحلم عن حاجة الرائي إلى نزهة هادئة وإلى وقت يبتعد فيه عن الشاشات والضغوط. ويفيد في ذلك أن يمشي قليلًا في مكان هادئ إن تيسّر، وأن يمنح نفسه فسحة قصيرة من الراحة. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده القلق أو الضيق فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله ممن يثق بهم. والأحلام لا تغني عن ذلك.
وقد يعود المشهد ببساطة إلى نزهة قريبة أو صورة لحديقة مرّت بالرائي في يومه، فالذهن في النوم يعيد تركيب ما رآه على هيئة مشاهد جديدة. وهذا التفسير الذهني البسيط هو الأقرب غالبًا، ولا يحتاج إلى توسع ولا يترتب عليه شيء بعد الاستيقاظ. ويكفي الرائي أن يخرج من الحلم بشعور الانشراح، ثم يمضي في يومه مطمئنًا دون أن يشغل ذهنه بألوان الأزهار وأنواع الأشجار. والأحلام صور عابرة تمر ثم تتلاشى. وكلما خفّ التكلف في قراءة الحلم كان ذلك أريح للنفس وأقرب إلى الصواب، فالذهن يجمع الصور المتباعدة في مشهد واحد دون منطق ثابت، ولا يلزم أن يكون لكل تفصيل فيه دلالة خاصة.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله بالسكينة والتوفيق وصلاح الحال. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تحتمل أوجهًا متعددة وقد لا تحمل معنى على الإطلاق، ولذلك لا تُبنى على الصور قرارات في اليقظة. والله أعلم.
