قد يرى النائم أنه يضع المصحف على رف في مكتبة أو في زاوية من البيت، ويسوّيه بعناية بين الكتب، أو يرفعه إلى موضع مرتفع. وهذه صورة منزلية هادئة، تشبه ما يفعله الناس عند ترتيب غرفهم. وهي صورة رمزية لا يُبنى عليها جزم ولا قرار، وكل ما يقال في تعبيرها اجتهاد قابل للخطأ، ويختلف بحسب حال الرائي. والمعنى الأقرب هنا هو الترتيب والصون وحسن الموضع.
وضع المصحف على الرف في الرموز يوحي بأن للقراءة مكانًا مخصوصًا في البيت وفي الذهن، وأن صاحبها يعتني بها ويرتب ما حولها. وقد يعبّر عن رغبة الرائي في تنظيم أيامه وإعطاء الأولوية لما يهمه، أو عن انتهاء مرحلة من القراءة وبدء مرحلة أخرى. وقد يرمز كذلك إلى الصون والاحتفاظ بما هو عزيز في موضع آمن. والقراءة في الرموز ترتبط بالطمأنينة والهداية والصلة بكتاب الله والانتظام والسكينة والعلم، والرف يضيف معنى الترتيب.
ووضع المصحف على الرف في الأحلام صورة الحفظ والترتيب والاحتفاظ بما يُقدَّر في مكانه المناسب، وقد تعبّر عن رغبة الرائي في أن يكون للكتاب مكانة في بيته وترتيب في أيامه. وقد تعكس شعورًا بأن أمرًا ينتظر وقته المناسب ليُعاد إليه، أو حرصًا على النظام في شؤونه. ولا يُنزَّل المشهد على الرائي كأنه تقدير لحاله ولا يُجعل علامة على شيء، فالرف صورة ذهنية مألوفة تتشكل من مشاهد يومه. ويبقى تعبيره ظنيًا، ويكفي منه معنى الحرص والترتيب العام.
ذكر بعض المعبّرين أن وضع الكتب في أماكنها في المنام يُنظر فيه إلى حسن تدبير الإنسان لشأنه وترتيبه لعلمه، ولا يُجزم بصحة كل تفصيل منه. وذهب آخرون منهم إلى أن ما يتصل بكتاب الله يُحمل على الخير والصيانة في الجملة. وتختلف أقوال المعبّرين في هذه الصور، والأولى أن تؤخذ إشارات عامة لا قاعدة ثابتة، وأن يُترك للرائي تقدير ما يوافق حاله.
يتغير المعنى بالسياق. فإن كان الرف مرتبًا ونظيفًا، مال المعنى إلى النظام والاطمئنان. وإن كان الرف مزدحمًا بالكتب، فقد يعبّر عن كثرة ما يشغل ذهن الرائي من اهتمامات. وإن كان المصحف في أعلى الرف بعيدًا عن اليد، فقد يعكس رغبة في الاقتراب من القراءة تعيقها المشاغل. وإن كان في مستوى النظر، فقد يرمز إلى أن القراءة قريبة في يومه وحاضرة في باله.
للطالب قد يمثّل الرف ترتيب مراجعه ومذاكرته. وللموظف قد يعكس شوقًا إلى النظام في مكتبه وفي أيامه. ولربة البيت قد يرمز إلى ترتيب البيت وإضفاء السكينة عليه. ولمن انتقل إلى بيت جديد قد يكون صدى لترتيب الأغراض في المكان الجديد. ولمن يحب الكتب قد يعبّر عن أنس بمكتبته. فالرمز واحد، لكن لكل رائٍ فيه قراءة تناسب ظرفه.
ومن التفاصيل ما يتعلق بالرف: هل كان خشبيًا أم معدنيًا؟ هل كان المصحف وحده أم بين كتب كثيرة؟ هل كان الرائي يضعه بهدوء أم بسرعة؟ وكل هذه صور يصنعها الذهن من الأماكن المألوفة، وليس لها معنى مستقل أو رسالة. ولا يُربط ارتفاع الرف أو نوعه بحدث أو بنتيجة، فهي صور ذهنية تتغير بتغير ما في الذاكرة. والاكتفاء بالمعنى العام أسلم وأهدأ.
من الجهة النفسية، قد يعبّر الحلم عن رغبة الرائي في تنظيم حياته وإعطاء كل شيء موضعه، وعن شعور بالراحة حين تُرتب الأمور. ويفيد في ذلك أن يرتب مساحة صغيرة هادئة في البيت تدعوه إلى القراءة، وأن يجعل المصحف في موضع قريب وواضح. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده الضيق أو الفوضى الذهنية فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله. والأحلام لا تغني عن ذلك.
وقد يُنظر إلى الصورة من باب الاحتفاء، فالإنسان يضع ما يحبه في موضع يليق به ويحرص على بقائه سليمًا. وفي هذا معنى عام عن العناية بما هو ثمين وحفظه من التلف. وهو معنى رمزي لا يحمل بشارة ولا تحذيرًا، ولا يخص رائيًا بذاته. ويمكن أن يخرج الرائي منه بشعور من النظام والراحة ثم يمضي في يومه، فهذه الأحلام في الغالب صور ترتيب وهدوء لا أكثر. وقد يعود المشهد ببساطة إلى ما فعله الرائي في يقظته من ترتيب غرفة أو مكتبة قبل نومه، فيعيد الذهن المشهد بصورة قريبة. وهذا التفسير الذهني البسيط كثيرًا ما يكون الأقرب. وفي كل حال فالمنام لا يُقاس به حال الإنسان مع كتاب الله ولا يُنتظر منه شيء بعد الاستيقاظ سوى الهدوء.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله بالسكينة والتوفيق وصلاح الحال. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تحتمل أوجهًا متعددة وقد لا تحمل معنى على الإطلاق، ولذلك لا تُبنى على الصور قرارات في اليقظة. والله أعلم.
