قد يرى النائم في منامه مصحفًا صغيرًا يكاد يستقر في كف يده، خفيف الوزن، لطيف الهيئة، يسهل حمله ووضعه في الجيب. وهذه صورة وديعة تشبه ما يرافق الإنسان في تنقلاته القريبة، وهي صورة رمزية لا يُبنى عليها جزم ولا قرار. وكل ما يقال في تعبيرها اجتهاد قابل للخطأ، ويختلف بحسب حال الرائي وما يمر به. والمعنى الأقرب هنا هو القرب والخفة والمرافقة اللطيفة.
المصحف الصغير في الرموز يوحي بالقراءة التي تكون قريبة من متناول اليد، تُفتح في أي وقت وتُقرأ على مهل بين مشاغل اليوم. وقد يعبّر عن رغبة الرائي في أن يكون للقراءة موضع بسيط في يومه لا يتطلب ترتيبات كبيرة. وقد يرمز كذلك إلى الاقتصاد في الجهد والاكتفاء بالقليل المنتظم. والقراءة في الرموز ترتبط بالطمأنينة والهداية والصلة بكتاب الله والانتظام والسكينة والعلم، فالصغير منها يضيف معنى الخفة واليسر.
قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة البقرة، الآية 2). وفي هذه الآية ما يذكّر بمعنى الهداية التي يطلبها الإنسان من الكتاب مهما صغر حجمه، فالقيمة في المضمون لا في المقاس. وهذا ربط عام بالمعنى، وليس تفسيرًا للمصحف الصغير الذي رآه النائم ولا تقريرًا لحاله. فالحجم في الحلم صورة ذهنية، والآية تبقى في موضعها من التذكير في اليقظة.
ذكر بعض المعبّرين أن الكتاب الصغير في المنام يُنظر فيه إلى ما يختصره صاحبه من علم أو عهد، ولا يُجزم بصحة كل تفصيل منه. وذهب آخرون منهم إلى أن ما يتصل بكتاب الله يُحمل على الخير والأنس في الجملة. وتختلف أقوال المعبّرين في هذه الصور التفصيلية، والأولى أن تؤخذ إشارات عامة لا قاعدة ثابتة، وأن يُترك للرائي تقدير ما يوافق حاله دون تكلف.
يتغير المعنى بالسياق. فإن كان المصحف الصغير في جيب الرائي أو في كفه، مال المعنى إلى القرب والمرافقة. وإن كان يبحث عنه بين أغراضه فلا يجده بسهولة، فقد تعبّر الصورة عن تشتت ذهني بين الأغراض الكثيرة. وإن كان طفل يحمله، فقد يعكس الأنس الهادئ بالصغار. وإن كان في مكان مزدحم، فقد يعبّر عن رغبة في ركن هادئ وسط الضجيج، وإن كان في مكان واسع فقد يرمز إلى الهدوء.
للطالب قد يمثّل المصحف الصغير رفيقًا خفيفًا يحمله بين محاضراته. وللموظف قد يعكس شوقًا إلى استراحة قصيرة خلال العمل. ولربة البيت قد يرمز إلى قراءة تُنتزع من بين المهام بخفة. وللمتنقل كثيرًا بين الأماكن قد يكون أنسًا خفيفًا يرافقه. وللكبير في السن قد يمثّل ألفة قديمة مع مصحف الجيب. فالرمز واحد، لكن لكل رائٍ فيه قراءة تناسب ظرفه.
ومن التفاصيل ما يتعلق بالهيئة: هل كان الخط دقيقًا؟ هل كان الغلاف ملونًا؟ هل كان الرائي يعرف من أهداه إياه؟ وكل هذه صور يصنعها الذهن من مخزون الأيام، وليس لها معنى مستقل أو رسالة. ولا يُربط حجم المصحف أو لونه بحدث أو بنتيجة، فهي صور ذهنية تتغير بتغير ما في الذاكرة. والاكتفاء بالمعنى العام أسلم وأهدأ للنفس وأقرب.
من الجهة النفسية، قد يعبّر الحلم عن حاجة الرائي إلى أن يجعل القراءة جزءًا لطيفًا من يومه دون ضغط، وأن يتخلص من فكرة أن الصلة تحتاج إلى وقت كبير. ويفيد في ذلك أن يخصص دقائق قليلة منتظمة يجد فيها هدوءه. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية، ومن استمر عنده الضيق أو التشتت فالأفضل أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله ممن يثق بهم. والأحلام لا تغني عن ذلك.
وقد يُنظر إلى الصورة من باب القناعة، فالكتاب الصغير يتسع لمعانٍ كثيرة كما يتسع الكلام الموجز للمعنى الكبير. وفي هذا تذكير عام بأن الأشياء الثمينة لا تقاس بحجمها دائمًا. وهو معنى رمزي لا يحمل بشارة ولا تحذيرًا، ولا يخص رائيًا بذاته. ومن المحتمل أن يكون المشهد انعكاسًا لمصحف رآه الرائي في يد أحد أو في مكتبة، ثم استدعاه الذهن في النوم دون قصد. وقد يكون في المشهد شيء من الدفء الطفولي، فالأشياء الصغيرة تستدعي الرقة والعناية في النفس. وكثيرًا ما تُقرن صور الصغير في الأحلام بالأنس والحميمية، بخلاف الكبير الذي يستدعي المهابة. وهذا كله باب للتأمل الرمزي العام الذي لا يترتب عليه عمل ولا قرار، ويكفي أن يخرج الرائي منه بشعور هادئ.
وفي الختام، ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يعلم الغيب إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله بالسكينة والتوفيق وصلاح الحال. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تحتمل أوجهًا متعددة وقد لا تحمل معنى على الإطلاق، ولذلك لا تُبنى على الصور قرارات في اليقظة. والله أعلم.
