إذا رأى الإنسان في منامه أنه يقرأ القرآن ثم يبتسم، أو يرى من يقرأ ثم يبتسم، فهذه صورة تجمع بين القراءة وبين بسمة هادئة تعقبها. والرؤيا رمز لا يُجزم بمعناه، وهي اجتهاد في فهم مشهد قد يكون من حديث النفس أو من مشاعر النهار. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تحتمل أوجهًا متعددة وقد لا تحمل معنى، فيحسن ألا تُحمَّل الصورة أكثر مما تحتمل. وما يلي تأمل رمزي عام لا يدّعي معرفة ما سيكون، ولا يجعل الابتسامة علامة على شيء.
الابتسامة في لغة الرؤى ترتبط بالأنس والانشراح وارتياح النفس، والقراءة رمز للإصغاء والتأني والانتظام. فإذا جاءت الابتسامة بعد القراءة مال المعنى إلى ارتياح هادئ يصاحب ما يحبه الرائي من هدوء. وقد يعبّر المشهد عن رغبة في أن تكون الصلة بما يحب مبعثًا للأنس لا للعبء. ويبقى هذا وصفًا رمزيًا يحتمل أكثر من وجه، وليس فيه ما يفيد خبرًا أو وعدًا.
والابتسامة في الأحلام صورة الارتياح والرضا والأنس، وإذا اقترنت بالقراءة مالت الرمزية إلى معنى الطمأنينة وحسن الحال النفسي في المشهد. وقد تعبّر عن ارتياح الرائي لما يراه أو شوقه إلى أجواء بهيجة هادئة. وقد تكون صدى لموقف لطيف مرّ به في يومه أو لوجه مألوف أحبه. ولا تُجعل الابتسامة علامة على شيء ولا بشارة بأمر، ولا يُنزَّل هذا المعنى على الرائي كأنه تقدير لحاله، فهي صورة ذهنية عامة يكفيه منها معنى الأنس والراحة.
يذكر بعض المعبّرين في باب القرآن أقوالًا تدور حول الخير والهداية بوجه عام، وتتفاوت عبارات النقل بين المصادر والطبعات، فلا يُجزم بصحة كل ما يُتداول. وذهب آخرون منهم إلى أن المعنى يتغير بحال الرائي وما يرافق المشهد من شعور وتفاصيل، ومنها ملامح الوجوه. وقد يختلف المعبّرون في الأمر الواحد، فتبقى هذه الأقوال إشارات للنظر لا قوالب مقطوعة. وللرائي أن يزنها بحاله ولا يقيّد نفسه بعبارة واحدة.
لسياق اليقظة أثر كبير في هذه الصورة. فقد يكون الرائي في أيام يشعر فيها بشيء من الارتياح بعد ضيق، فتظهر الابتسامة في المنام صدى لذلك. وقد يكون في مجلس أنس أو بين أهله فينتقل جوّ الألفة إلى الحلم. وقد يكون الأمر أثرًا لتلاوة أو مشهد أحبه فبقي أثره. والأقرب أن يتأمل ما أسعده أو أراحه فعلًا، فالحلم صدى لما في النفس وليس تقريرًا عن المستقبل.
ونوع الرائي هنا إنسان قد يكون رجلًا أو امرأة، شابًا أو كبيرًا، ويحس بميل إلى الأنس والانشراح. وهذا شعور إنساني عام ولا يدل على شيء محدد. وليس في الرؤيا ما يقيس حفظ أحد أو مستواه في التلاوة، فهذا لا يُعرف بالأحلام. والرموز تتحدث عن شعور الرائي الداخلي لا عن مقدار ما يملكه، ولا تعني أن الابتسامة رضا أو تقدير أو بشارة.
وتتبدل الدلالة بتبدل التفاصيل. فإن كانت الابتسامة للرائي نفسه مال المعنى إلى ارتياح داخلي. وإن كانت لشخص آخر في المشهد، فقد يوحي ذلك بأنس مع الآخرين وحاجة إلى صحبة طيبة. وإن كانت الابتسامة خفيفة هادئة، فهي أقرب إلى انشراح مطمئن. وإن كانت ضحكة عالية، فقد تدل على مرح يحبه الرائي. وإن لم يتذكر ما قرأ أو من ابتسم فلا يضر ذلك التأويل.
ومن الناحية العملية والنفسية، فقد يفيد أن يحرص الرائي على ما يُدخل السرور إلى قلبه في يومه من صحبة طيبة وهدوء ومشي في الهواء ومجلس لطيف، وأن يجعل صلته بما يحب مبعثًا للأنس لا للضغط. وهذا ليس إلزامًا، والمقصود الرفق بالنفس. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإذا استمر القلق أو أثّر في النوم والتركيز فالمفيد أن يتحدث مع مختص أو مع أحد أهله الثقات.
وقد يظن بعضهم أن الابتسامة في الحلم بشارة بخير قادم، والأولى ألا تُربط الرؤيا بحدث ولا بجزاء. فالأحلام تتلون بالمشاعر دون قصد، والابتسامة كثيرًا ما تكون صدى لارتياح اليقظة. فلا داعي للتفتيش عن معنى خفي في كل تفصيل ولا لتحميل الرؤيا معنى الوعد أو الإنذار. والأجمل أن يتعامل الرائي مع ما رأى بلطف، وأن يشكر الله على ما في قلبه من أنس. وفي ترك الإفراط في تحليل الصور ما يخفف على القلب ويحفظ سكينته، فالرؤيا الهادئة ينفع معها حسن الظن والشكر، والمضايقة منها يكفي معها الإعراض والتوكل على الله.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، وليس إخبارًا عن الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله. فمن رأى رؤيا فليحسن الظن بربه، وليدعُ الله بالخير والثبات، وليمضِ في أيامه بقلب مطمئن ورفق بنفسه. والله أعلم بحقيقة ما رأى.
