يحدث أن يرى النائم أرنباً وقطاً يتجاوران في زاوية من البيت أو في فناء، يتشمم أحدهما الآخر أو يلعبان أو يجلسان متقاربين في هدوء، وقد يكون المشهد دافئاً ومريحاً أو مشوباً بشيء من التوجس. وهذا الحلم يظهر عند كثيرين ممن يألفون الحيوانات الأليفة أو يحبون مشاهدتها. والتفسير هنا رمزي لا حرفي، فالمشهد لا يخبر عن علاقة حقيقية بين شخصين، وإنما يتأمل فيه المعبّرون على أنه صورة تعبّر عن تلاقي طبعين في المحيط أو في النفس.
يرمز الأرنب في الأحلام إلى الرقة والخجل والبراءة والسرعة، وإلى المكاسب الصغيرة والخصب. وأما القط فقد ارتبط في كتب التعبير وفي الثقافة الشعبية بمعانٍ متعددة، منها الألفة المنزلية والاستقلال والحذر والفضول، ومنهم من رأى فيه رمزاً لإنسان لطيف الظاهر قريب من أهل البيت. فاجتماعهما يوحي عند بعضهم بحال من التعايش أو التنبه بين طبعين رقيقين مختلفين، كأنهما شخصان في محيط واحد يحتاج كل منهما إلى مساحة ثقة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأرنب قد يدل على رجل خجول حذر أو على مال يسير، وفي المنقول عن بعض المفسرين أقوال في القط تتراوح بين رمز لخادم أو قريب أو لص خفيف أو إنسان مؤنس، وهي أقوال لم يتفقوا عليها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة من هذه. وقد اختلف المفسرون في تقديرها اختلافاً واسعاً، ولا يحسن أن يُسقط شيء منها على شخص حقيقي، فهي آراء تُذكر للاستئناس فحسب.
ويتغير المعنى بتغير سلوك الحيوانين. فإن كانا يلعبان أو يجلسان متجاورين، قُرئ ذلك على ألفة وتفاهم وسلام بين الأطراف. وإن كان القط يحدّق في الأرنب بترقب، قُرئ على أن الأمر يحتاج إلى انتباه وحسن تقدير. وإن هرب الأرنب، قُرئ على حاجة إلى حدود ومساحة. وللون كل منهما وحجمه وعمره أثر، فالصغيران غالباً أكثر مرحاً وأقل ثقلاً، ومكان اللقاء من بيت أو حديقة يحدد دائرة الأمر بين الأسرة والمحيط الأوسع.
وإن كان الرائي رجلاً، فقد يتصل الحلم بعلاقة بين شخصين في محيطه مختلفي الطبع، أو بعلاقة عمل بين رقة وفضول، على سبيل الاحتمال. وللتاجر قد يشير إلى تعامل مع طرف لطيف يستحسن فيه التروي. وللأب قد يعكس مراقبة لأبنائه وهم يتعلمون التعايش. وتبقى هذه قراءات للتأمل، والمرء أدرى بمن حوله وما يناسب حاله.
وإن كانت الرائية امرأة، فقد يعبّر الحلم عن جو بيتي وألفة، أو عن علاقة بين شخصين تحبهما، أو عن توازن بين طبع هادئ وآخر فضولي في نفسها. وللفتاة غير المتزوجة قد يوحي بعلاقات لطيفة في دائرة الأصدقاء. وللمتزوجة قد يتصل بتفاهم أفراد الأسرة. وللحامل قد يعبّر عن رغبة في بيئة هادئة ودافئة. وتبقى هذه الدلالات من باب الاحتمال والتأمل الهادئ.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان القط يلاعب الأرنب برفق أم يلاحقه؟ فاللعب قد يدل على ألفة، والملاحقة على ضغط خفيف. وهل نام الحيوانان معاً؟ فقد يدل على سكينة واطمئنان. وهل كان بينهما طعام؟ فقد يدل على قسمة نصيب بلا نزاع. وهل كان صاحب البيت حاضراً؟ فقد يدل على رعاية تمنع الخلاف. وهل خرج أحدهما وبقي الآخر؟ فقد يدل على تغير في الصحبة أو المحيط.
ومن الجانب النفسي، قد يعبّر الحلم عن حاجة الإنسان إلى التعايش بين جوانب مختلفة من شخصيته، فجانب يميل إلى الحذر وآخر إلى الفضول، وكلاهما يمكن أن يعيش في سلام. وهو يدعو بلطف إلى احترام الاختلاف في الطباع بين الناس، وإلى منح كل طرف مساحته التي يرتاح فيها. ويمكن للرائي أن يتأمل: من في محيطي يحتاج إلى مساحة وثقة؟ وكيف يمكنني أن أكون ألطف مع الاختلاف؟
وقد يكون الحلم تذكيراً بأن الألفة لا تُبنى بالإجبار، فكما أن الأرنب والقط لا يقتربان إلا حين يطمئنان، فكذلك الناس يحتاجون إلى وقت وصبر ليثق بعضهم ببعض. وهذه فكرة جميلة يستطيع الرائي أن يطبقها في بيته وعمله وصداقاته من غير حاجة إلى أن يربطها بحدث غيبي. فالحلم يكون مفيداً حين يدفعنا إلى لين أكبر في المعاملة، ولا يكون كذلك حين يدفعنا إلى القلق من المستقبل.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يطلع على الغيب، فلا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي في العلاقات أو المال أو العمل. والأولى أن يتوجه الإنسان بالدعاء ويحسن الظن بالله، وأن يأخذ بالأسباب ويستشير أهل الخبرة، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والأحلام مجرد صور تمر بنا، وقد يكون فيها تذكير بسيط بما نحتاج إلى التفكر فيه.
