قد يرى النائم أرنبًا من شخصيات الرسوم المتحركة، يتكلم ويتحرك بخفة ويضحك ويقوم بحركات مبالغ فيها، كأنه خرج من الشاشة إلى المنام. وهذه صورة حديثة بلا شك، فالرسوم المتحركة لم تكن معروفة في زمن المفسرين القدامى، ولذلك لا نجد لها ذكرًا في كتبهم. ونقول بصراحة إن أي تأويل لها إنما يكون بالقياس والاجتهاد، وإن ما يُذكر هنا تأمل ظني لا يُحمل على ظاهره ولا يُبنى عليه شيء. وغالب هذه الأحلام صدى لما شاهده الرائي أو سمعه في أيامه.
والرسوم المتحركة في الرموز العامة ترتبط بالخيال واللعب والمرح، وبعالم الطفولة وما فيه من مبالغة وخفة. والأرنب في هذه الرسوم يُصوَّر غالبًا ذكيًا سريع البديهة خفيف الظل، يخرج من المآزق بحيلة. فإذا ظهر في الحلم على هذه الصورة فقد يُقرأ على أنه تعبير عن رغبة الرائي في الخفة والمرح، أو إعجاب بسرعة البديهة، أو حنين إلى أيام كان يتابع فيها مثل هذه الأعمال. وقد يكون ببساطة بقايا مشهد رآه قريبًا. وهذه كلها قراءات بالقياس.
وفي كتب التفسير المنقولة لا ذكر لهذه الشخصيات، غير أنه نُسب إلى ابن سيرين أن ما كان من باب اللهو في المنام قد يدل على اشتغال بما لا جد فيه بحسب الحال. وذهب النابلسي فيما نُقل عنه إلى أن الأرنب الحي قد يدل على رجل لطيف حذر أو رزق يسير. فإذا أردنا أن نقيس، قلنا إن الأرنب المرسوم صورة مبالغ فيها من طبع الخفة والحذر. ولكن هذا قياس بعيد، واختلف أهل التفسير المعاصرون في مثله، فلا يصح اتخاذه قولًا فصلًا.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن كان الأرنب مرحًا يضحك الجميع، فالصورة أقرب إلى انشراح وحاجة إلى الترويح. وإن كان يتحدث بكلام مفيد، فقد يكون الحلم مجرد تفريغ للأفكار اليومية على لسان شخصية مألوفة. وإن كان يطارد أو يُطارد في مشهد كوميدي، فقد توحي الصورة بضغوط تُعالج بروح خفيفة. وإن كان الرائي نفسه داخل الرسم المتحرك، فقد يدل على رغبة في الهروب من الجد إلى اللعب. وكل ذلك احتمالات خفيفة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنه حنين إلى أيام الطفولة أو إلى متابعة ما تحبه، أو رغبة في جو مرح بعد انشغال. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بما يشاهده الأطفال في البيت من برامج، فينتقل إلى حلمها دون معنى خاص. وللحامل قد يكون صدى لمشاهد خفيفة تتابعها للتسلية والراحة. وهذه كلها معانٍ لطيفة لا تحتاج إلى تفسير ثقيل.
وللرجل قد يدل الحلم على حاجة إلى الترويح عن النفس بعد جد وانشغال، وقد يكون تذكيرًا بالأيام الأولى حين كان المرء يضحك بسهولة. وللتاجر قد يوحي بأن للمرح والابتسامة مكانًا في التجارة، لكنه لا يعني نجاحًا ولا ربحًا. ولا يصح اتخاذ هذه الصورة أساسًا لأي قرار، فهي أبعد الصور عن الدلالة الجادة. وكثيرًا ما تكون الأحلام الكرتونية مجرد لعب عقل متعب.
ومن الدقائق التي تُلتفت إليها: هل عرف الرائي الشخصية باسمها، وهل شاهدها قريبًا، وهل كان في الحلم صوت أو موسيقى مميزة، وهل شعر بالضحك أو بالضيق. فمن شاهد شخصية مشابهة قبل النوم فالأرجح أن الحلم ترديد لها. ومن لم يرها منذ سنين فقد يكون في الحلم حنين إلى الماضي. وفي كل حال فإن الحلم ابن الذاكرة والمشاهدة أكثر من كونه رسالة.
ومن الناحية النفسية العملية، فالأحلام التي تحمل طابع الرسوم المتحركة تدل غالبًا على نفس تحتاج إلى استراحة وإلى لحظات من الضحك البريء. ولا بأس أن يخصص الإنسان وقتًا للترفيه المباح والمرح مع أسرته أو أصدقائه. فالضحك الصافي يخفف من الضغوط، والقلب المرح أقدر على مواجهة المشكلات. وقد يكون في الحلم دعوة إلى ألا نأخذ كل شيء بجدية مفرطة.
ومما يُنبَّه إليه أن المحتوى الذي يشاهده الناس ينقل إليهم صورًا وأفكارًا قد تبقى في العقل الباطن، فينبغي أن يحرص المرء على ما يشاهده ويشاهده أبناؤه، فيختار ما ينفع ويهذب. وهذه نصيحة تربوية عامة لا علاقة لها بتفسير الحلم، لكنها تتصل بما نرى في المنام لأن الأحلام تتغذى مما نعرضه على أعيننا. والاعتدال في المشاهدة من أسباب راحة النفس.
ومن اللطائف أن الأرنب في الرسوم المتحركة يُظهر الحيلة والذكاء مع الرقة، وفي ذلك تذكير بأن الضعيف في الظاهر قد يكون قوي الذهن. ولكن ينبغي أن نتذكر أن هذه صور خيالية صنعها البشر للتسلية، فلا تُحمَّل أكثر من حجمها. وهذا الفهم يريح من التكلف في البحث عن رسائل مخبأة.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني بالقياس، قد يخطئ ولا يصلح أساسًا لأي قرار حقيقي. والأولى أن يدعو الرائي بالخير وأن يحسن الظن بالله، وأن يوقن أن ما يحمله الغد لا يعلمه إلا الله وحده. وبالتوكل والعمل الصالح تطمئن القلوب.
