كثيراً ما يستيقظ الإنسان وفي ذهنه صورة أرنب يقفز أمامه وهو يجري خلفه في أرض مفتوحة أو بين الأشجار أو في طريق ضيق، وهذا الحلم مألوف لدى كثيرين. ومطاردة الأرنب تختلف عن صيده، فهي حركة مستمرة لا تنتهي دائماً بنتيجة، وقد يصحو الرائي دون أن يعلم هل أدركه أم لا. والتفسير هنا رمزي لا حرفي، فلا الأرنب حقيقي ولا الجري حقيقي، وإنما هي لغة صور تعبّر عن حال داخلية أو اهتمام يشغل صاحب الحلم.
يوصف الأرنب عند من تكلموا في الرؤى بأنه رمز للسرعة والحذر والنعومة والخجل، فهو يتقافز بخفة ويتجنب المواجهة. ومن هنا قد يرمز في الحلم إلى فرصة تبدو قريبة لكنها سريعة الحركة، أو إلى إنسان رقيق متحفظ يصعب الاقتراب منه. أما المطاردة فهي في الغالب علامة على الاهتمام والرغبة والمتابعة، وقد تحمل أيضاً معنى الإلحاح وضيق الصبر. فهي مجموعة معانٍ تتغير حسب الشعور الذي يصاحبها.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأرنب قد يدل على رجل جبان أو حذر أو على مال قليل يسير، وذهب بعض المفسرين بعده إلى أن ملاحقته قد تدل على تتبع منفعة صغيرة أو طلب أمر لا يُدرَك بسهولة. وقد اختلف المعبّرون في ذلك اختلافاً بيّناً، فبعضهم جعله علامة على الجد في طلب الرزق، وبعضهم جعله علامة على إضاعة الوقت في ما لا طائل منه. ولهذا فهي قراءات للتأمل لا للجزم.
وللسياق أثر كبير في المعنى. فإذا كان الرائي يجري بخفة ومرح كأنه في لعب، فقد يعكس ذلك روحاً متفائلة وسعياً غير مثقل. وإذا كان يجري لاهثاً متعباً، فقد يعبّر عن إرهاق من مطلب لا ينتهي. وإذا اقترب من الأرنب ثم توقف، فربما كان ذلك تردداً أو رغبة في عدم الإيذاء. والمكان مهم أيضاً، فالحقل الأخضر أهدأ دلالة من الطريق الوعر المظلم.
وإذا كان الرائي شاباً أو رجلاً، فقد يتصل الحلم بمشروع صغير يلاحقه أو بإنسان لطيف يتمنى القرب منه، ولكن ذلك احتمال لا أكثر. وإذا كانت امرأة، فقد تكون المطاردة مرآة لاهتمامها بأمر يتأخر حصوله، كراحة أو سفر أو خبر. أما إذا كان الرائي هو من يهرب من الأرنب أو يلاحقه أرنب، فالأمر مختلف وسيأتي في أحلام أخرى.
ومن التفاصيل التي تُلاحظ: سرعة الأرنب بالنسبة إلى سرعة الرائي، ولونه، وهل كان وحده أم مع صغاره، وهل خرج من جحر أم من بين الحشائش. فإذا كان وحده فالأمر موجّه إلى مطلب واحد، وإذا كان معه صغار فربما اتسع المعنى إلى عدة فرص أو إلى أسرة. وإذا غاب الأرنب في جحره، فقد يرى بعضهم في ذلك انتهاء الطلب مؤقتاً وحاجة إلى استراحة وإعادة ترتيب.
ومن الناحية النفسية، قد يكون الحلم تعبيراً عن شعور بالملاحقة المتعبة لهدف بعيد أو لعلاقة لا يريد صاحبها أن يضغط عليها بإلحاح. وقد يوحي بأن الهدوء أحياناً أسرع وصولاً من الجري، فالأرنب إذا لوحق ازداد فراراً. ويحسن بالرائي أن يسأل نفسه عما إذا كان يطارد شيئاً يستحق الجهد، أم أن الأجدى أن يجلس ويدع الأمور تتقدم بلطف.
وقد يلفت المعبّرون النظر إلى أن الجري وراء الأرنب يشبه في حياتنا اليومية ملاحقة موعد أو رد أو خبر ننتظره، فنحس أنه قريب منا لكنه يتقافز بعيداً كلما اقتربنا. ولهذا يُنظر أحياناً إلى الحلم على أنه صورة لانتظار لم يكتمل بعد، أو لرغبة في إدراك أمر في وقته المناسب. والرائي الذي يشعر في صحوه بأنه يلاحق وظيفة أو إجابة أو شخصاً بعينه قد يجد في الحلم انعكاساً لهذا الشعور. وقد يرمز تعثره في الطريق إلى أن الاستعجال لا يخدمه، بينما يرمز نجاحه في اللحاق إلى أن المثابرة اللطيفة قد تثمر. وكل ذلك يبقى في حدود التأمل والاحتمال.
ثم إن لمشاعر الرائي بعد الاستيقاظ وزناً لا يقل عن تفاصيل الحلم نفسها؛ فمن استيقظ مبتسماً خفيف النفس فالأقرب أن يكون المشهد عنده مشهد لعب وأمل، ومن استيقظ منهكاً قلقاً فالأقرب أن يكون المشهد صدى لانشغالات النهار وضغوطه. ويحسن في الحالتين ألا يعطي الإنسان الحلم أكبر من حجمه، وأن يجعله فرصة لمراجعة ما يشغله بهدوء، ثم يعود إلى عمله وأهله بقلب مطمئن. فالأحلام في كثير من الأحيان ثياب تلبسها الخواطر، وليست أخباراً من الغيب.
وفي النهاية، لا بد من التذكير بأن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يملك صاحبه علم الغيب، فلا يصح أن يكون أساساً لقرار مصيري. فالأولى لمن رأى مثل هذا المشهد أن يدعو ربه بخير ما يعلم، وأن يحسن الظن بالله، وأن يمضي في أعماله بالتوكل والتخطيط السليم، فإن الغيب لا يعلمه أحد سوى الله، وقد تكون الرؤيا مجرد انعكاس لما شغل النفس في يومها.
