يرى بعض الناس في منامهم أنهم يجلسون إلى مائدة ويأكلون لحم أرنب، وقد تكون المائدة في بيتهم أو عند أقارب أو في مكان غريب عنهم، وهذه من الأحلام التي تتكرر عند فئات مختلفة من الناس. وحين نتحدث عن هذا الحلم فإننا نتحدث عن صورة رمزية في المنام، فهو لا يخبر عن مأكولات حقيقية ولا يتصل بأحكام الطعام في اليقظة بأي وجه. وإنما يتأمل المعبّرون الصورة على أنها لغة رموز تعبّر عن الرزق والمنفعة وما ينال الإنسان من خير أو تعب في حياته.
والأرنب في الأحلام يوصف عند من تناولوه بالوداعة والسرعة والخجل واليقظة، وبأنه رمز للمكاسب الصغيرة الخفيفة وللخصب والتكاثر السريع. وأما الأكل في المنام فهو في الغالب رمز للانتفاع والنصيب وما يصل إلى الإنسان من مال أو علم أو راحة أو تجربة. فاجتماع الأرنب والأكل يوحي عند بعضهم بنصيب لطيف ليس ضخماً ولا ثقيلاً، ربما جاء بسهولة وعلى مهل. ولا يمنع هذا من أن يكون الحلم انعكاساً بسيطاً لحديث عن الطعام أو لمشهد رآه الرائي في يومه.
نُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول من كتب التعبير أن الأرنب قد يشير إلى رجل رقيق خجول أو إلى مال يسير، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الانتفاع بجزء من الأرنب قد يدل على نيل نفع من إنسان لطيف أو من أمر صغير. وقد اختلف المفسرون في هذه الدلالات اختلافاً ظاهراً، فمنهم من رأى فيها خيراً قليلاً ومنهم من رأى فيها مجرد إشارة إلى معاش بسيط. فهي عند أهل العلم بالتعبير آراء قابلة للأخذ والرد، لا قواعد جازمة.
ويتغير المعنى بحسب تفاصيل المشهد. فإن كان الطعام شهياً وكان الرائي مسروراً به شاكراً، قُرئ ذلك على أنه رضا وقناعة ونصيب طيب. وإن كان الطعام باهتاً أو كان الرائي منزعجاً، قُرئ على أنه نصيب يحتاج إلى صبر أو أمر لا يتوافق مع رغبته. ويلاحظ كذلك هل أكل وحده أم مع جماعة، فالجماعة تدل على مشاركة في المنفعة، والانفراد على اعتماد على النفس، ويلاحظ مكان الأكل وهيئة الإناء ومن كان حاضراً من الأقارب أو الأصدقاء.
وإن كان الرائي رجلاً، فقد يتصل الحلم بدخل صغير أو عمل جانبي أو هدية بسيطة تصله من إنسان لطيف الطبع، على سبيل الاحتمال. وإن كان تاجراً، فقد يعبّر عن ربح متواضع قريب لا يستحق التفريط في الأصل من أجله. وللعامل والموظف قد يرمز إلى مكافأة خفيفة أو علاوة صغيرة. ولا ينبغي التعويل على شيء من ذلك، فهي معانٍ تُذكر للتأمل لا للانتظار.
وإن كانت الرائية امرأة، فقد يتصل المشهد بجو من الألفة في البيت واجتماع الأسرة، أو بنصيب هادئ من الراحة بعد تعب. وللفتاة غير المتزوجة قد يوحي عند بعضهم بتعرف على إنسان ودود أو بخبر لطيف في محيط الأهل. وللمتزوجة قد يشير إلى رضا بما قسم الله وحسن تدبير للمعيشة. وكل ذلك من باب التفاؤل المتزن لا الجزم المتعجل.
ومن التفاصيل الدقيقة التي يلتفت إليها المهتمون بهذا الباب: هل كان اللحم مقدماً هدية من أحد؟ فهدية الطعام في المنام قد تدل على صلة ومودة. وهل كان الرائي هو من أعدّه أم وجده جاهزاً؟ فالإعداد يدل على سعي والجاهز على نصيب جاء بلا مشقة. وهل شبع منه أم ترك أكثره؟ فالشبع يُقرأ كقناعة، والترك كزهد أو انصراف إلى أمر آخر. وهل شاركه أحد الأطفال؟ فقد يحمل ذلك معنى بركة في البيت.
ومن الجانب النفسي، قد يعكس الحلم رغبة في الراحة والاطمئنان والشعور بأن حاجات الإنسان مكفية. وقد يعبّر عن حنين إلى ذكرى طعام عائلي أو إلى زمن بسيط هادئ. وهو يدعو بلطف إلى شكر النعم الصغيرة التي نمرّ عليها دون انتباه، فكثير من الخير يأتي في صورة تفاصيل يومية خفيفة. ويمكن للرائي أن يتأمل: هل أعطي نفسه حقها من الراحة والرعاية؟ وهل ينظر إلى ما بين يديه بعين الامتنان؟
ومما يحسن التنبيه إليه أن الأحلام التي تدور حول الطعام كثيراً ما تتأثر بحال الجسد وقت النوم، فقد يكون الجوع أو الشبع أو حديث المساء عن الأكل سبباً مباشراً في ظهور المائدة في المنام. ولهذا يفرّق المتأملون بين حلم يحمل شعوراً قوياً ومعنى واضحاً يبقى في النفس، وبين حلم عابر يتبدد عند الاستيقاظ ولا يترك أثراً. وإذا كان الحلم من الصنف الثاني فالأولى ألا يُشغل به البال طويلاً، وأن يُترك كما جاء، فليس كل مشهد في المنام يستحق أن يُفتَّش عن رمز خلفه، وهذا من رحمة الله بالإنسان أن جعل في أحلامه ما هو خفيف لا يحتاج إلى تفسير.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى اليقين، وليس علماً بالغيب، فلا ينبغي أن يُبنى عليه قرار مالي أو أسري أو صحي حقيقي. والأفضل لمن رأى هذه الرؤيا أن يقابلها بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يمضي في أسبابه المشروعة، ويستشير أهل الخبرة فيما يعرض له، فالغيب لا يعلمه إلا الله، وتبقى الأحلام صوراً تمر بنا لنتأمل منها ما ينفع ونطرح ما لا ينفع.
