أن يرى الإنسان في منامه أرنباً يهرب من يده أو من قفصه أو من البيت، فيجري خلفه أو يقف حائراً ينظر إليه وهو يبتعد، مشهد مليء بالحركة والارتباك. وقد يستيقظ الرائي بشيء من الأسف أو الحرج أو حتى الفكاهة. وهو يختلف عن مشهد الركض العام لأن فيه عنصر الإفلات من الرعاية أو الإمساك. ومع ذلك فهو رمز لا حقيقة، ولا يدل على فقدان فعلي، وما يُقال في تأويله فاحتمالات تُقرأ بحذر ولا يُجزم بها.
الهروب في الرموز يشير إلى الإفلات وفقدان السيطرة المؤقت أو التحرر من قيد، وقد يعني فرصة تمر أو أمراً صغيراً يتفلت من بين اليدين. وحين يكون الهارب أرنباً سريعاً خفيفاً فالمعنى يميل إلى أمر لطيف يصعب الإمساك به، كفرصة صغيرة أو علاقة رقيقة أو فكرة عابرة. وقد يرمز الحلم إلى شعور الرائي بأن بعض الأمور تخرج عن سيطرته، أو إلى حاجة إلى مزيد من الانتباه، أو إلى أن ما يريده يحتاج إلى أسلوب ألطف في التعامل.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الأرنب يدل على الإنسان الوديع الخجول سريع الفزع، ويرى بعض الشراح أن هروبه قد يدل على ابتعاد إنسان من هذا الطبع أو فوات رزق يسير. وجاء في بعض ما نُقل عن النابلسي ما يوافق معنى الرزق اليسير السريع، فقيل إن الهروب قد يشير إلى مروره بسرعة. وهذه كلها أقوال اختلف فيها المفسرون ولا تعد قاعدة ثابتة، فهي تُروى لبيان ما قيل لا للجزم به.
وتتأثر القراءة بتفاصيل الهروب، فإن هرب الأرنب من قفص مغلق بإهمال فالمعنى يميل إلى تنبيه إلى الانتباه، وإن هرب من يد قابضة بشدة فالمعنى يميل إلى أن الشدة قد تنفر ما نحب. وكذلك مآل الهروب، فإن عاد الأرنب أو أمكن الإمساك به فالمعنى يميل إلى فرصة ثانية، وإن اختفى فالمعنى يميل إلى تقبل ما فات. وإحساس الرائي مهم، فمن شعر بالأسف رأى الحلم تنبيهاً، ومن شعر بالراحة رأى فيه تحرراً.
للفتاة غير المتزوجة قد يرمز هروب الأرنب إلى علاقة أو فرصة تشعر بأنها تفلت منها، أو إلى حاجتها إلى لطف أكبر في التعامل مع من تحب، أو إلى رغبة في التحرر من التزام. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى شعور بأن بعض شؤون البيت تفلت من يدها لكثرتها، أو إلى حاجتها إلى تنظيم أفضل، أو إلى لحظة تحرر مرحة. وهي معانٍ احتمالية لا يُقطع بها، وكل رائية أعلم بحالها.
وللرجل قد يدل الحلم على فرصة عمل صغيرة قد تفوت إن لم ينتبه، أو على أمر في الأسرة يحتاج إلى متابعة ألطف، أو على رغبة في التحرر من ضغوط. وللحامل قد يعكس الحلم انشغالاً بكثرة الأمور وخوفاً من نسيان شيء، وهذا طبيعي، ولا دلالة غيبية فيه. وللتاجر قد يرمز إلى صفقة صغيرة تفلت أو زبون يذهب إن أهمل، وإلى أن حسن الإدارة والمتابعة يحفظان الفرص، وهذا تقريب رمزي لا يغني عن مراجعة الواقع.
ومن التفاصيل الدقيقة كيف هرب الأرنب، فإن هرب مذعوراً فقد يدل على أن الأسلوب كان شديداً عليه، وإن هرب لعباً فقد يدل على مرح وخفة. وإلى أين ذهب، فإلى الحقل يوحي بحرية، وإلى مكان خطر يوحي بقلق عليه. وهل لحقه الرائي بهدوء أم بصخب، فالهدوء يوحي بحكمة، والصخب يوحي بتوتر. وهل ساعده أحد في الإمساك به، فهذا يوحي بتعاون، وهل تركه الرائي يذهب، فهذا يوحي بتقبل.
ومن الناحية النفسية والعملية قد يكون الحلم تذكيراً بأن بعض الأشياء الرقيقة لا تُمسك بالقوة، بل بالصبر والثقة والمساحة. فالأرنب الذي يُقبض عليه بشدة يهرب أسرع، وكذلك العلاقات التي يخنقها الإلحاح. وقد يدعو الحلم إلى مراجعة أسلوبنا في التمسك بما نحب، وإلى أن نمنح من حولنا بعض الحرية ليبقوا بإرادتهم. وفي الوقت نفسه ينبه إلى أهمية إغلاق الأبواب التي تحتاج إلى إغلاق، أي الانتباه لما يستحق الحفظ.
ويمكن أن نستفيد من الحلم معنى تقبل ما يفوت، فليس كل ما يفلت منا خسارة، وقد يكون في فواته خير لا نعلمه. والإنسان الناضج يتعلم أن يتألم قليلاً ثم يمضي ويستعد لما بعده. وهذه نظرة تريح النفس من التحسر المستمر، وتفتح الباب لفرص أخرى. وهي فكرة تربوية عامة لا تتوقف على صحة التأويل، وإنما تتولد من تأمل هادئ في صورة بسيطة.
وقد يكون الحلم في أحيان كثيرة نتيجة قلق عابر من فقدان شيء أو نسيانه، كمفاتيح أو موعد أو غرض عزيز، فيظهر في صورة حيوان صغير يهرب. وفي هذه الحالة فخير ما يفعله الإنسان أن يرتب أموره ويدون ما يخشى نسيانه، وينام مطمئناً. فكثير من الأحلام تعبير عن انشغال نفسي مؤقت يزول بزوال سببه، ولا تحمل رسالة غيبية، وإن كان التأمل فيها لا ضرر فيه ما دام بعيداً عن التهويل.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في العمل أو العلاقات أو المال. وأحسن ما يفعله من رأى حلماً كهذا أن يدعو الله بالتيسير وحفظ الخير ويحسن الظن به. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما كتب هنا يبقى تأملاً إنسانياً يخطئ ويصيب.
