قد يرى النائم أرنبًا يحلّق في السماء كالطيور، يرفرف بأذنيه أو يطير بلا أجنحة فوق البيوت والحقول. وهذه الصورة الخيالية الظريفة مما يعرفه الناس في الأحلام، وكثيرًا ما تتأثر برسوم متحركة أو قصص أطفال أو مجرد خيال حر في الليل. وينبغي أن نقرر أن تأويل الأحلام رموز ظنية لا تُحمل على الحقيقة، وأن هذا الحلم أقرب إلى الصور الخيالية التي لا تحتاج إلى تأويل ثقيل. ومع ذلك نتأمل فيه بخفة كما نتأمل في أي صورة جميلة.
والطيران في الأحلام يرتبط في الرموز العامة بمعاني الارتفاع والتحرر والطموح والخفة من الأعباء، ويتفاوت تأويله بحسب حال الرائي. والأرنب في الرموز مخلوق ضعيف الظاهر سريع الحركة. فإذا جمعنا الأمرين، فقد يُقرأ الحلم على رغبة في تجاوز الحدود المألوفة، أو على أن شيئًا بسيطًا يرتقي إلى منزلة لم يكن يُظن أنه يبلغها. وقد يعبّر عن أحلام كبيرة تخالج نفسًا رقيقة. وهذه قراءة تأملية فحسب، لا ترقى إلى القطع.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الطيران أنه قد يدل على سفر أو ارتفاع قدر أو انفراج بحسب الصورة والحال، وأن اختلاف حال الطائر يغير المعنى. وذهب النابلسي فيما نُقل عنه إلى أن الأرنب قد يشير إلى رجل لطيف أو رزق يسير سريع. فمن جمع هذين القولين فقد يرى في الأرنب الطائر إشارة إلى شخص لطيف يرتقي بأمره، أو إلى رزق صغير يأتي بخفة. وهذا باب اختلف فيه المفسرون، ولا يصح أن يُعتبر قول واحد منها حكمًا على الرائي.
ويتغير المعنى بحسب التفاصيل. فإن كان الطيران هادئًا سلسًا والأرنب مطمئنًا، فالصورة أقرب إلى طموح متزن وراحة. وإن كان يتخبط ويخاف السقوط، فقد يوحي بقلق من الخروج عن المألوف أو من الأحلام الكبيرة. وإن كان الأرنب يطير ثم يهبط بسلام، فقد يدل على أن الطموح يمكن أن يُترجم بخطوات واقعية. وإن كان الرائي يطير معه، فالصورة أقرب إلى رغبة الرائي نفسه في التحرر من قيد ما.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن أحلام كبيرة تحملها في صدرها، كدراسة أو مشروع أو سفر، وعن رغبتها في الانطلاق. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى رغبة في استراحة من مسؤوليات متراكمة أو في تحقيق شيء يخصها. وللحامل قد يكون من خيال الأحلام الذي يكثر في تلك الفترة، وليس له أثر يقلق. وكل هذه المعاني لطيفة غير ملزمة.
وللرجل قد يدل الحلم على فكرة طموحة تحتاج إلى أرجل ثابتة لتتحقق، وكأنه يذكّره بأن الأفكار الجميلة تحتاج إلى خطة. وللتاجر قد يوحي بمشروع جريء صغير، مع التنبيه إلى أن الحماس وحده لا يكفي. ولا يصح أن يُترك عمل أو يُنفق مال بسبب حلم يحلق فيه أرنب، فالقرار الحكيم يقوم على الدراسة. والحلم أقصى ما يفيده إيقاد الخيال بلطف.
ومن الدقائق التي تضيف معنى: على أي ارتفاع كان الطيران، وهل كان الأرنب يطير بأذنيه أم بلا حركة، وهل كان في النهار أم الليل، وهل كان الرائي يضحك أم يخاف. فالارتفاع المعتدل يوحي بطموح معقول، والارتفاع الشاهق قد يوحي بمبالغة في الأمل. والضحك يوحي بخفة النفس والخوف يوحي بقلق. وهذه إشارات احتمالية تتبع حال الرائي.
ومن الناحية النفسية العملية، فالأحلام الخيالية الظريفة تدل في الغالب على نفس لا تزال تحتفظ بقدرة على الخيال والمرح، وهذه نعمة تستحق الحفاظ عليها. ويمكن للرائي أن يستثمرها في تصور أهدافه وكتابتها وتقسيمها إلى خطوات يومية. فالطموح الجميل يحتاج إلى مرونة الأرنب وسرعته وحذره في آن. وقد يكون الحلم تذكيرًا بأن للخيال مكانه في الحياة.
ومن اللطائف أن الأرنب الطائر يجمع المتناقضات، فهو ضعيف يطير ومألوف يخرج عن المألوف. وفي ذلك دعوة إلى ألا نحكم على أحد أو على أنفسنا حكمًا نهائيًا بسبب مظهر أو طبع هادئ. فقد تكمن في الرقيق قدرات لا تُرى. وهذه حكمة إنسانية عامة يعرفها الناس، ولا تتوقف على تأويل الأحلام.
وإذا نظرنا إلى الصورة من زاوية الطفولة، وجدنا أن كثيرًا من الناس يرون في صغرهم أن الحيوانات تطير وتتكلم، وأن الخيال لا يعرف حدودًا. فإذا عاد هذا المشهد في الكِبَر فقد يكون حنينًا لطيفًا إلى تلك الأيام الخفيفة التي لم تكن فيها الهموم ثقيلة. ولا بأس أن يبتسم الرائي لهذا الحنين وأن يمنح نفسه شيئًا من اللعب والمرح في حياته اليومية. فالجدية الدائمة تتعب الروح، والمرح المعتدل يخفف عنها كثيرًا. وهذا كله معنى تربوي بسيط لا يحتاج إلى دليل.
وفي الختام، كل ما قيل اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُجعل أساسًا لقرار في الواقع. والأولى أن يدعو الرائي بالخير ويحسن الظن بالله، وأن يتذكر أن ما تحمله الأيام القادمة لا يعلمه إلا الله وحده. وبالعمل الصالح والتوكل يطمئن القلب ويهدأ البال.
