قد يرى النائم أرنبًا ضخمًا بحجم إنسان أو أكبر، يملأ المكان بجسده الناعم وأذنيه الطويلتين، فيقف أمامه بين الدهشة والفضول. وهذه الصورة المبالغ فيها من الصور التي تعرفها الأحلام، فهي تحب تكبير الأشياء وتصغيرها لتلفت انتباه صاحبها. ويجب أن نذكر منذ البداية أن تأويل الأحلام رموز ظنية لا تُحمل على الظاهر، وأن ضخامة الأرنب في المنام ليست خبرًا بحدث ولا تحذيرًا من أمر. وإنما نتأمل فيها كما يتأمل المرء في لوحة غريبة جميلة، دون خوف ولا جزم.
والتضخيم في عالم الرموز يدل في العادة على أن الأمر المرئي يحتل في نفس الرائي مساحة أكبر من حجمه الحقيقي. فالأرنب الذي هو في الأصل رمز للصغير الوديع إذا تضخم، فقد يُقرأ ذلك على أن أمرًا لطيفًا أو بسيطًا صار يشغل بال الرائي أكثر مما ينبغي. وقد يدل كذلك على اتساع في خير بسيط، كأن يجد الرائي في رزقه اليسير بركة وسعة. وهاتان قراءتان متقابلتان، يرجح الرائي منهما ما يوافق إحساسه، وتبقيان في دائرة الاحتمال.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب الدواب أن عِظم الحيوان في المنام قد يدل على عِظم شأن ما يرمز إليه، في خير أو في شر بحسب هيئته وحال الرائي. وذهب النابلسي فيما نُقل عنه إلى أن الأرنب قد يرمز إلى رجل لطيف أو إلى رزق يسير، وعلى هذا فقد يُفهم الأرنب الضخم على أنه شخص لطيف له أثر كبير في حياة الرائي، أو رزق صغير اتسع. واختلف المفسرون في ذلك، ولا يجوز اعتماد قول بعينه ولا إخضاع الحياة له.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن كان الأرنب الضخم وديعًا هادئًا يقترب من الرائي بلطف، فالصورة أقرب إلى سكينة وحماية. وإن كان يبدو مهيبًا يسد الطريق، فقد يوحي ذلك بأن الأمر الذي يظنه الرائي صغيرًا صار عقبة في نظره. وإن كان يتضخم تدريجيًا أمام عينيه فقد يدل على قلق يكبر مع الانتظار. وإن كان الرائي يركبه أو يستظل به، فقد يشير إلى اعتماد على شخص لطيف قوي الحضور.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن مشاعر كبيرة تجاه أمر يبدو بسيطًا، أو عن اهتمام زائد برأي من تعدهم لطفاء. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى مسألة صغيرة في البيت تضخمت في الذهن، أو إلى شعور بحماية عاطفية. وللحامل قد يكون من صور المبالغة المعتادة في أحلام الحمل، فلا ينبغي أن يقلقها. وكل ذلك من باب التقريب والاحتمال.
وللرجل قد يدل الحلم على أمر يسير في عمله استحوذ على تفكيره، أو على صاحب لطيف نفوذه كبير في ظاهر الأمر. وللتاجر قد يوحي بأن تفصيلة صغيرة في معاملة ما تستحق أن تُراجع بعناية، لا لأن الحلم يقول ذلك، بل لأن التاجر الحصيف يراجع التفاصيل أصلًا. ولا يُقدم أحد على قرار مالي بناء على هذه الصور، فهي رموز لا خبر فيها ولا برهان.
ومن الدقائق التي تُلتفت إليها: ما لون الأرنب الضخم، وما حال عينيه، وهل كان يتحرك أم ساكنًا، وهل كان في مكان ضيق فبدا أضخم أم في فضاء واسع. فالأبيض الهادئ يميل إلى الطمأنينة، والوجود في مكان ضيق قد يزيد الإحساس بالضغط. وكذلك فإن شعور الرائي هو أهم قرينة، فمن شعر بالأمان فالصورة أخف عليه ممن شعر بالرهبة. وتبقى هذه كلها قراءات تقريبية.
ومما يتصل بهذا الحلم أن الصور المضخمة كثيرًا ما تأتي حين يمر الإنسان بمرحلة تتضخم فيها الأمور في ذهنه، كقبل امتحان أو سفر أو لقاء مهم. فتأتي الأحلام لتصوّر ذلك الشعور بصورة كائن ضخم. وقد يكون في هذا تنبيه لطيف لمن عنده ميل إلى المبالغة في التفكير، بأن يخفف على نفسه ويقيس الأمور بحجمها الحقيقي. وهذه فكرة تأملية عامة لا تتوقف على صحة تأويل بعينه.
ومن الناحية النفسية العملية، يمكن لمن رأى هذا الحلم أن يكتب الأمور التي تشغل بباله ثم ينظر في كل منها: هل هو فعلًا بالحجم الذي أشعر به؟ فكثيرًا ما يكتشف المرء أن ما يخيفه يسير حين يُكتب أو يُحكى لصديق. كما أن الحديث مع شخص عاقل يطمئن إليه يخفف حجم الهموم. وفي كل الأحوال فإن اللين الذي يرمز إليه الأرنب يصلح أن يكون أسلوبًا في التعامل مع الضغوط.
وقد ينتبه بعضهم إلى أن عِظم الأرنب مع بقاء لطفه يوحي بأن القوة لا تنافي الرقة، وأن الإنسان يمكنه أن يكون قويًا في مواقفه لينًا في معاملته. وهذه من أجمل المعاني الأخلاقية التي يمكن أن تُستخلص من الحلم، وهي نافعة سواء صح التأويل أو لم يصح. فمن أراد أن يكبر في عيون الناس فليكبر بالخلق قبل الجاه.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار في المال أو الارتباط أو العمل. وخير ما يفعله من رأى ما أدهشه أن يدعو بالخير، وأن يحسن الظن بالله، وأن يوقن أن ما يخبئه الغد مما لا يحيط به إلا الله وحده. وبالتوكل والعمل الصالح يهدأ القلب.
