قد يرى النائم أرنبًا يقف في ضوء ساطع، سواء كان نور الشمس في صباح صافٍ أو ضوءًا أبيض يملأ المكان حتى تظهر تفاصيل فرائه وعينيه بوضوح تام. وهذه من الصور اللطيفة التي يغلب عليها الصفاء، وقد يصحبها إحساس بالراحة أو بالدهشة. وينبغي أن نقرر أن تأويل الأحلام رموز ظنية لا تُحمل على ظاهرها، وأن الضوء في المنام قد يكون صدى لضوء حقيقي دخل الغرفة أثناء النوم. فنتأمل الصورة بخفة ولا نحمّلها أكثر مما تحتمل.
والضوء في الرموز العامة يرتبط بالوضوح والبيان وانكشاف ما كان خافيًا، كما يرتبط بالأمل والطمأنينة. والأرنب مخلوق حذر خجول يميل إلى الاختباء، فظهوره في الضوء قد يُقرأ على أنه خروج من الخفاء إلى العلن، أو انكشاف أمر كان يُظن غامضًا. وقد يشير إلى شخص خجول بدأ يظهر ويعبّر عن نفسه، أو إلى فكرة صغيرة آن لها أن تُعرض. وهذه قراءات تأملية لا غير، يمكن أن يعدّلها كل رائٍ بما يوافق حاله.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب النور والضياء أنه قد يدل على هداية وبيان وانفراج في الحال بحسب هيئته. وذهب النابلسي فيما نُقل عنه إلى أن الأرنب قد يدل على رجل لطيف أو رزق يسير سريع. فمن جمع هذين القولين قال إن الأرنب في الضوء قد يوحي بصاحب لطف يظهر فضله، أو برزق خفيف يأتي بوضوح. لكن المفسرين اختلفوا كثيرًا في هذه الأبواب، ولا يصح اعتبار قول واحد منها حكمًا على شيء.
ويتغير المعنى بحسب التفاصيل. فإن كان الضوء دافئًا ذهبيًا هادئًا فالصورة أقرب إلى الطمأنينة. وإن كان شديد السطوع حتى آذى العين، فقد يوحي بأن انكشاف أمر ما يأتي بسرعة أكبر مما يحتمل الرائي. وإن كان الأرنب لا يتحرك وسط الضوء، فقد يدل على ثبات وهدوء في موقف ظاهر. وإن كان يهرب إلى الظل، فقد يعبّر عن حياء أو رغبة في الابتعاد عن الأنظار.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنه إشارة إلى بداية ظهور موهبة أو رأي كانت تكتمه، أو إلى شعور بالوضوح تجاه أمر كانت متحيرة فيه. وللمرأة المتزوجة قد يوحي بانجلاء سوء فهم صغير في البيت أو بانفراج في مشكلة بسيطة. وللحامل قد ينعكس فيه الاطمئنان الذي تبحث عنه في هذه الأيام. وكلها احتمالات لطيفة لا تفيد وقوع أمر بعينه.
وللرجل قد يدل الحلم على وضوح في رؤيته لأمر عمل كان غامضًا، أو على أن فكرة ستظهر قيمتها حين تُعرض بشكل سليم. وللتاجر قد يوحي بأهمية الشفافية والوضوح في التعامل، فهي من أسباب الثقة. وينبغي ألا يبني أحد قرارًا مصيريًا على صورة حلم، بل يستعين بالمشورة والدراسة. والضوء في الحلم ليس دليلًا على انجلاء الواقع، وإنما هو صورة تبعث على التفاؤل المعتدل.
ومن الدقائق التي تضيف معنى: هل كان الضوء طبيعيًا أم صناعيًا، وهل كان في الداخل أم الخارج، وهل شعر الرائي بالدفء أم بالحرارة، وهل ظل الأرنب ساكنًا أم أخذ يتحرك. فالضوء الطبيعي الدافئ أقرب إلى الراحة، والصناعي القوي قد يوحي بشعور بالمراقبة أو الفحص. وهذه التفاصيل تتغير مع الأحاسيس، ولا يمكن حصرها في قواعد.
ومن الناحية النفسية العملية، فالأحلام التي يغمرها الضوء تأتي غالبًا في أيام يشعر فيها صاحبها بتحسن أو بأمل. ويمكن لمن رآها أن يستثمرها في ترتيب أفكاره وإظهار ما يحسنه بلا خجل مبالغ فيه. فمن كان خجولًا فقد يجد فيها تشجيعًا لطيفًا على التعبير عن نفسه خطوة خطوة. والخجل صفة جميلة إذا لم تمنع صاحبها من الخير.
ويلطف المعنى أن نتذكر أن الضوء لا يُخيف إلا ما كان مختبئًا عن غير حاجة، وأن الصدق في الأمور يريح النفس. وقد يكون في الصورة درس بأن الأمور الجميلة لا تحتاج إلى إخفاء، وأن ما هو طيب يزداد حسنه إذا ظهر. ويمكن أن يأخذ الرائي هذا المعنى كلمسة تشجيع هادئة. وهو معنى أخلاقي لا يتوقف على صحة تفسير.
ومما يحسن التنبيه إليه أن الضوء في الأحلام قد يكون انعكاسًا لحال الرائي حين ينام، فمن ينام والنور مضاء أو والستارة مفتوحة يرى الضوء في منامه كثيرًا دون أن يحمل ذلك أي معنى خاص. ولهذا يقول المتأملون إن أول ما ينبغي أن يسأله الرائي نفسه هو: هل هناك سبب مادي لهذه الصورة؟ فإن وُجد فقد انتهى الأمر ولا حاجة إلى تأويل. وإن لم يوجد فلا بأس بشيء من التأمل الخفيف الذي لا يتجاوز حدود الاعتبار والتفاؤل. وفي كل ذلك راحة للنفس من الوساوس.
وفي الختام، هذا كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه شيء في أمور الحياة. والأولى لمن رأى صورة تعجبه أو تحيّره أن يدعو بالخير، وأن يحسن الظن بالله تعالى، وأن يؤمن بأن ما لم يظهر بعد من أمور الغد لا يعلمه إلا الله وحده. وبالدعاء والعمل الصالح يطمئن القلب.
