قد يرى النائم أرنبًا صغيرًا ينظر إليه بعينين صافيتين، لا يخاف ولا يؤذي، ويبدو عليه من الوداعة ما يوقظ في القلب شعورًا بالعطف. وهذه الصورة تحمل إحساس البراءة الأولى، ولذلك ترتبط في ذهن كثيرين بالأطفال والصفاء. ونؤكد أن تأويل الأحلام رموز ظنية لا تُحمل على ظاهرها، وأن البراءة المنسوبة إلى الأرنب في الحلم ليست حكمًا على أخلاق الرائي ولا على غيره. وإنما هي صورة نتأمل فيها بهدوء معاني الطهر وحسن النية.
والبراءة في الرموز العامة تعني خلو القلب من الحقد والنية السيئة، وهي صفة تُنسب عادة إلى الأطفال وإلى النفوس السليمة. والأرنب بما فيه من نعومة ووداعة وقلة أذى صار في الثقافة العامة رمزًا للطفولة والرقة. فإذا ظهر في الحلم على هذا النحو فقد يُقرأ على أن الرائي يحن إلى صفاء قديم، أو يتعلق ببراءة يراها في شخص قريب، أو يتأمل في ضرورة أن يحفظ قلبه نقيًا وسط ضجيج الحياة. وهذه معانٍ تأملية جميلة، ولا ترتبط بحدث.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب الحيوان أن ما كان وديعًا لا يؤذي قد يدل على رجل سليم الصدر قليل الأذى. وذهب النابلسي فيما نُقل عنه إلى أن الأرنب قد يدل على رجل لطيف أو ضعيف الجانب. ومن جمع هذين القولين قال إن الأرنب البريء قد يوحي بشخص طيب القلب. ولا بد أن نقول إن المفسرين اختلفوا في الأرنب، وإن هذه الأقوال لا تصلح حكمًا على إنسان بعينه، ولا ينبغي أن يُوصف بها أحد على سبيل الانتقاص.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن كان الأرنب أبيض ناصعًا، فقد توحي الصورة بصفاء خالص. وإن كان صغيرًا حديث الولادة، فقد توحي ببدايات رقيقة تحتاج إلى حماية. وإن كان ينظر إلى الرائي بثقة، فقد يعبّر عن شعور بالأمان بين الناس. وإن كان الرائي يحمله بيديه بحنان، فقد يدل على رغبته في حماية الضعفاء. وإن كان الأرنب خائفًا فإن البراءة تظهر هنا مصحوبة بحاجة إلى الرعاية.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُفهم الحلم على أنه تعبير عن صفاء نيتها وحسن ظنها بالناس، وعن حاجتها إلى بيئة آمنة. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى حنين إلى بساطة الأيام الأولى أو إلى تأمل في تربية الأبناء على الصفاء. وللحامل قد يكون من صور الأمومة المبكرة وحب الصغير القادم. وكلها معانٍ لطيفة تخضع للاحتمال.
وللرجل قد يدل الحلم على رغبة في الحفاظ على قلب نقي وسط تعاملات قاسية، أو على حنين إلى أيام الصغر. وللتاجر قد يوحي بقيمة الأمانة وصفاء المعاملة، فهي رأس مال لا يُشترى. ولا يبني على الحلم قرارًا في عمله، لكنه إن أخذ منه تذكيرًا بالصدق فقد أحسن. فالصدق في التجارة من أسباب الثقة والبركة، وهذا مما يعرفه الناس بالتجربة.
ومن الدقائق التي تُلتفت إليها: ما الذي أثاره الأرنب في الرائي، شفقة أم فرح أم حنين، وهل كان معه أطفال في الحلم، وهل كان المكان بيتًا أو حديقة أو فضاء مفتوحًا. فوجود الأطفال يعمق إحساس الطفولة، والحديقة تضيف جوًا من الصفاء والطبيعة. وكل هذه فروق قد ترجع إلى حالة الرائي الداخلية أكثر من أي قاعدة مقررة.
ومن الناحية النفسية العملية، فالإنسان يحتاج بين حين وآخر إلى أن يعود إلى بساطته الأولى، فيعفو ويبتسم ويصفح ويتخفف من الأحقاد الصغيرة التي تثقل القلب. ويمكن لمن رأى الحلم أن يراجع علاقاته: هل في قلبي ضيق على أحد يمكن أن أتجاوزه؟ فصفاء الصدر من أسباب راحة النفس والنوم الهادئ. ولا يعني ذلك السذاجة، فالبراءة الواعية تجمع بين طيب القلب وحسن الفطنة.
وينبغي ألا نفهم البراءة على أنها غفلة، فالأرنب مع براءته يحذر ويتحفظ ويعرف مواضع الخطر. وكذلك الإنسان الطيب لا يلزمه أن يترك الحيطة، بل يجمع بين حسن النية وحسن التدبير. وهذه من الموازين الدقيقة التي ينبغي أن يتعلمها كل أحد، وقد تكون الصورة تذكيرًا بها.
ومن اللطائف أن الأطفال أكثر الناس قدرة على الفرح بالأشياء الصغيرة، ولهذا ارتبطت البراءة بالسعادة البسيطة. فمن أراد أن يستعيد شيئًا من هذه السعادة فليلتفت إلى ما حوله من نعم صغيرة، كوجبة دافئة أو جلسة هادئة أو كلمة طيبة. وهذا معنى يستفيد منه الإنسان في كل حال دون حاجة إلى تأويل.
وفي الختام، كل ما قيل اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه حكم على أحد ولا قرار في الواقع. والأولى أن يدعو الرائي بصفاء القلب وأن يحسن الظن بالله، وأن يوقن أن ما يحمله الغد لا يعلمه إلا الله وحده. وبالتوكل والعمل الصالح تطمئن النفوس.
